السيد محمد تقي المدرسي
382
من هدى القرآن
هَذِهِ السُّورَةُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله لِجَبْرَئِيلَ مَا هَذِهِ النَّحِيرَةُ الَّتِي أَمَرَنِي بِهَا رَبِّي ؟ . قَالَ : لَيْسَتْ بِنَحِيرَةٍ وَلَكِنَّهُ يَأْمُرُكَ إِذَا أَحْرَمْتَ لِلصَّلَاةِ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ إِذَا كَبَّرْتَ ، وَإِذَا رَكَعْتَ ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ ، [ وَإِذَا سَجَدْت ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِن السُجُودِ ] فَإِنَّهُ صَلَاتُنَا وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً وَإِنَّ زِينَةَ الصَّلَاةِ رَفْعُ الْأَيْدِي عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَة ] « 1 » . وإني لم أصل إلى معنى جامع يستوعب هذا التفسير ، والتفسير السابق الذي ورد بعض النصوص تؤكده أيضاً ، بلى ، قد نقول : إن رفع اليد علامة الاستعداد للتضحية بالنفس كأن الإنسان يشير إلى نحره ، وأنه يقدمه قربانا لربه ، بينما نحر البدن في منى هو المعنى الحقيقي للكلمة . وأنى كان فقد روي عن سعيد بن جبير أنه قال : [ كَانَتْ هَذِهِ الآيَة يَوْم الحُدَيْبِيَةِ ، عِنْدَمَا صَالَحَ النبيُ قُريْشاً ، أَتَاهُ جَبرَائيل فَقَالَ : انْحَر وَارجِع . . ] « 2 » . وجاء في حديث مأثور عن الإمام الباقر عليه السلام أن معنى النحر الاستعداد في القيام قال : [ النَّحْرُ الِاعْتِدَالُ فِي الْقِيَامِ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ ونَحْرَهُ ] « 3 » . وإلى هذا ذهب طائفة من المفسرين حيث قالوا : وَانْحَرْ : بمعنى ابدأ النحر ، ولا يبدأ النحر إلا عند الاعتدال ، وقالوا أن منه التناحر بمعنى التقابل ، ولكن يبدو أن المعنى الأول ينسجم مع ظاهرة قرآنية : فلا يذكر الصلاة إلا مقرونة بالزكاة أو الإنفاق . [ 3 ] من إعجاز القرآن أنه بشر رسوله بالكوثر ، يوم كانت عصابات قريش تحاصره ، وتعذب أنصاره ، وتكاد تقضي عليه ، واليوم أصبح دين الإسلام ظاهرا في الأرض ، والرسول أعظم شخصية عبر العصور وفي كل الآفاق . . بينما انقطع نسل شانئيه ، وأصبحوا أحاديث وعبر ، كما قال ربنا سبحانه . إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ لقد قطع ذكره إلا باللعنة والبراءة . سواء كان هذا الشانئ هو العاص بن وائل أو أبو جهل أو عقبة بن أبي معيط أو غيرهم ، وسواء كانت مناسبة حديثهم عن الرسول بموت القاسم ابن رسول الله في مكة ، أو إبراهيم ابنه في المدينة فإن الأمر لا يختلف ، إذ أن ذلك الخط الجاهلي قد انقطع وانبتر ، وبقي خط النبي صلى الله عليه وآله يضيء عبر العصور . والشانئ : هو العدو الحاقد ، والأبتر : من البتر بمعنى القطع ، وكانت العرب تسمي الذي لا ولد له بالأبتر ، وقيل : اتهم النبي بهذه الصفة لأنه تركهم وانبتر عنهم وخالفهم ، ولكنهم هم الذين انبتروا وأصبحوا شذاذا .
--> ( 1 ) السنن الكبرى : ج 2 ، ص 76 ، بحار الأنوار : ج 81 ص 351 . ( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 402 . ( 3 ) الكافي : ج 3 ، ص 336 .