السيد محمد تقي المدرسي

22

من هدى القرآن

الأمر مركَّباً على شرطين ، كما لو قال أحدهم : إذا كان رمضان وكنت حاضرا صمت . [ 40 ] كيف نَتَّقي طغيان النفس وغرورها ؟ بمخافة الله ، ويبدو أن السورة تعالج هذه الحالة المتجذرة في نفس البشر . ولكن من ذا الذي يخشى ربه ؟ الذي يعرف مقامه . أولم يقل ربنا : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فاطر : 28 ] . إن معرفة أسماء الله ، وأنه أحاط بنا علما وقدرة ، وأنه مليك السماوات والأرض ، وأنه الجبار المقتدر . . إنها تجعل أقسى القلوب خاشعة ، ومن هنا تزيغ وساوس الشيطان بنا عن معرفة ربنا سبحانه . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ليتقي طغيان نفسه . وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى لكيلا يؤثر على الآخرة شهوات الدنيا الزائلة ، ولا يذهب طيباته في الحياة الأولى ، ولكي ينظر لما قدمت يداه لغده ولدار إقامته التي هي الحيوان حقًّا . [ 41 ] فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى يعود إليها ، لأنه أصبح في الدنيا من أهلها ، وكل امرئ يعود إلى مأواه الأصيل ووطنه الدائم . فالميزان إذن ثمة ليس الانتماءات الظاهرة في الدنيا ، وليس التسجيل في حفيظة التقوى إنما مخالفة الهوى ، واتباع الحق ، أرأيت كيف أصبح مصعب بن عمير - الذي قيل أن الآية نزلت فيه - من صفوة أهل الجنة ، في حين كان أخوه عامر بن عمير في الدرك الأسفل من النار ؟ بماذا ؟ أليس لأن عامراً طغى وخالف الحق واتبع هواه ، في وقتٍ اتبع مصعب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وجاهد بين يديه ، وقيل : إنه قتل أخاه في أحد ، ووقى الرسول صلى الله عليه وآله بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه ؟ . [ 42 ] وحين يقرر الإنسان الكفر بشيء يبرر ذلك لنفسه بالتشكيك فيه وبأنه لا يعرف كيف يقع وبأية صورة ومتى . . وهكذا طفق الكفار يرتابون في الآخرة ، ويتساءلون : كيف يبعث الله العظام البالية ، ومتى ، ولماذا تأجلت هذه المدة الطويلة ؟ لماذا لم يبعث حتى الآن الذين ماتوا في أول الزمان ؟ وهكذا . . ولكن كل هذه التساؤلات لا تنفي حقيقة الساعة ، وإنها واقعة لا ريب فيها . يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا متى تستقر كما تستقر السفينة في النهاية على شاطئها ؟ . [ 43 ] ولكن الله أخفى علمها عن العالمين ، بل لم يحدد لها وقتا إنما يقررها متى ما شاء ، وحسب حديث مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : [ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا بِغَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا رَبُّكَ ] « 1 » . ولكن معرفة ميعاد الساعة أو الجهل بها لا يغيِّر من واقعها شيئا . إنها عظيمة إلى درجة تشفق السماوات من وقعها ! أفلا نتذكرها ونُعِدُّ لها عدة ؟ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا يبدو لي أن

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 209 .