السيد محمد تقي المدرسي
20
من هدى القرآن
[ 28 ] وإذا كان خلق السماوت شاهدا على قدرة الرب فإن نظامها الدقيق شاهد على حكمته . انظر إلى السماء كيف ارتفعت بلا عمد نراها ، وكيف استوت ضمن سلسلة لا تحصى من السنن والأنظمة الحكيمة . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا قالوا : إذا نظرت من فوق الجبل إلى الوادي قلت : عمق الوادي ، وإذا نظرت من الوادي إلى قمة الجبل قلت : سمك السماء ، هكذا رفع الله السماء وجعلها عالية ، وألزم أجرامها وغازاتها وأشعتها قوانين لا تحيد عنها قيد شعرة ، ولعل هذا معنى التسوية . [ 29 ] وتهيئة نظام الطبيعة للحياة بدوره شاهد على مدى القدرة والحكمة في الخلق ، فاختلاف الليل والنهار ، وبالتالي الظلام والنور والسبات والحركة يهدينا إلى مدى عمق الحكمة التي وراء الخلق . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا قالوا : الغطش : الظلام . والضحى : وقت انتشار نور الشمس ، هكذا دبر القدير الحكيم أمر الأرض والسماء لتتوافر فرصة الحياة على الأرض بما لا نجد مثيلا لها في الكرات القريبة منا . أو كان كل ذلك بلا هدف ؟ . [ 30 ] وبعد خلق السماء والأرض تم دحو الأرض وتمهيدها وتسويتها . . وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا قالوا : إن ذلك إشارة إلى العوامل الطبيعية التي تتابعت على الأرض حتى تهيأت للعيش ، ثم تعرضها للأمطار الغزيرة والسيول العظيمة ، ثم انحسار المياه عن بعض المناطق دون غيرها . [ 31 ] ثم أَعَدَّ الله الأرض بما أودع فيها من مواد تساعد على زراعتها ، وبما جعل في باطنها وظاهرها من مخازن ومجارٍ للمياه لسقيها طوال العام أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ولذلك فإن المناطق القاحلة لا تصلح للزراعة ، إما بسبب فقر التربة أو قلة الماء . [ 32 ] ولأن الزلازل والبراكين وجاذبية القمر والعواصف الهوج التي قد تعترض الأرض كانت تهدد حياة الإنسان فوق البسيطة خلق الله الجبال وأرسى بها دعائم الأرض وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا أي أثبتها بقدرته ، وجعلها درعا حصينة للأرض ، يقول الإمام علي عليه السلام بعد أن تحدث عن السماوات والأرض وكيف أنهما دليل على اقتدار جبروت ربنا وبديع لطف صنعته : [ وجَبَلَ جَلَامِيدَهَا ( أي الأرض ) ونُشُوزَ مُتُونِهَا وأَطْوَادِهَا فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا وأَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا فَمَضَتْ رُؤُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ ، ورَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ ، فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا ، وأَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا ومَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا ، فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا وأَطَالَ أَنْشَازَهَا ، وجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً وأَرَّزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً ، فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا ] « 1 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 54 ، ص 38 .