السيد محمد تقي المدرسي
77
من هدى القرآن
جهة أخرى خسرت سعيها وجهودها والأهداف التي تمنت بلوغها وهذه هي نتيجة المسيرة الخاطئة التي اختارها الناس لأنفسهم ، وهكذا كل حضارة لا تقوم على أساس رصين من الحق فإنها تكون كبناء على شرف هار ، كلما ارتفع البناء اقترب من الانهيار ، وفي لحظة يتلاشى كل شيء ، وتذهب جهود الملايين من البشر ! . [ 10 - 11 ] والخطير في الأمر أن الخسارة والعذاب ليسا في الدنيا فحسب فإن ما في الآخرة أشد وأخزى ! « أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً » ولعل إعداد العذاب بسبب أنه يأتي نتيجة الأفعال التي يجترحها المذنبون في الدنيا فيهيئ الله لكل ذنب ما يناسبه من العذاب كما وكيفا ، مما يجعلنا أشد حذرا من السيئات لأنها تتحول إلى عذاب شديد فور وقوعها ولكننا محجوبون عنه اليوم . وكما تهبط الأمم إلى حد الهلاك بالعتو عن أمر الله ورسله ، واتباع المناهج البشرية ، فإنها ترتقي في مدارج الكمال والتقدم بالتسليم لأمر الله ورسله وبالتقوى وتطبيق شرائعه ومناهجه في الحياة ، فتفلح في الدنيا بالخروج من الظلمات إلى النور ، وفي الآخرة بالخلود في جنات النعيم . « فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا » إن التقوى درجة رفيعة من الإيمان بالله تبعث الإنسان إلى المزيد من الوعي لأمر الله والتسليم له ، فهي إذن تكمل لبَّه وعقله ، كما تكمل إيمانه وجوانبه الروحية . من هنا فإنها أكبر عامل وأوثق ضمانة لاستجابته للحق والتزامه به . وقد قالوا : إن « الَّذِينَ آمَنُوا » بدل عن « يَا أُولِي الأَلْبَابِ » ، واللب هو مخ الشيء وعمقه ، وذو اللب هو صاحب البصيرة التي تنفذ إلى أغوار الأمور ، وقد خاطب الله المؤمنين من هذه الزاوية لأن دراسة التاريخ وما صارت إليه تلك القرى والاعتبار منه يحتاج إلى الإيمان وإلى الألباب والبصائر التي هي محور الثواب والعقاب ، ففي ( المحاسن ) للبرقي مرفوعاً إلى أحد الأئمة عليهم السلام ، قال عليه السلام : مَا يُعْبَأُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ . قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا نَأْتِي قَوْماً لَا بَأْسَ بِهِمْ عِنْدَنَا مِمَّنْ يَصِفُ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْعُقُولُ ، فَقَالَعليه السلام : لَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ خَاطَبَ اللهُ فِي قَوْلِهِ : « يَا أُولِي الأَلْبَابِ » ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْعَقْلَ فَقَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْكَ وَأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ ، بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي ] « 1 » . إن تقوى الله تعني تجنب الوقوع في سخطه وعذابه ، وهي لا تتحقق بالإيمان وحده ، بل لا بد من لب يعرف به الإنسان ما يسخط الرب وما يرضيه ، ذلك لأن الشروط الموضوعية للتقوى متوافرة ، فتلك هي عبر التاريخ أمامنا ، وهذا كتاب الله ورسوله يذكرنا الله بهما « قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً » يذكر الإنسان بربه ، وبالحقائق الفطرية ، ويذكره بطاقاته ، وقدراته
--> ( 1 ) المحاسن : للبرقي : ج 1 ، ص 194 .