السيد محمد تقي المدرسي
74
من هدى القرآن
كثيرة قد دمرت فحذار أن تدمر أيضا قريتك الصغيرة المتمثلة في الأسرة والكبيرة المتمثلة في بلدك ، لأنها ليست فوق سنن الله بل هي كأي من القرى الأخرى . والقرية - كما يبدو - تطلق في القرآن عادة على المجتمعات المتخلفة الفاسدة ، بينما تستخدم كلمة بلد أو المدينة عن المجتمعات المتحضرة ، وعدم تحديد الآية لقرية بذاتها ينطوي على دعوة لدراسة شاملة لتاريخ البشرية ، ذلك لأن الإنسان مفطور على مراجعة التاريخ والاعتبار به ، ونظرته إليه تحدد نظرته إلى الحاضر وتطلعه نحو المستقبل . والرسالات الإلهية تسعى إلى تصحيح تقييمه للتاريخ ، لكيلا تكون نظراته خاطئة ولا حتى عابرة ، وذلك لأن الكثير حينما يمرون على آثار الماضين يكتفون بالسياحة أو النياحة ، والأدب العربي - كما سائر آداب البشر - زاخر بروائع الشعر التي تستوقف الإنسان على الأطلال والبكاء حزنا عندها ، وقد اشتهر هذا الاستهلال في شعر العرب ، قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل . . حتى قيل إنه مطلع لسبعين رائعة شعرية ! . وبينما القرآن الكريم يستوقف الإنسان أيضا عند القرى المدمرة ولكن ليس لمجرد السياحة أو النياحة بل للاتعاظ والاعتبار . ولقد مر المسلمون في عهد الإمام علي عليه السلام على أطلال عاصمة كسرى فأنشد بعضهم : جرت الرياح على ديارهم * فكأنهم كانوا على ميعاد فنهره الإمام عليه السلام وقال له : أفلا قلت : « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ( 27 ) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( 30 ) » « 1 » . وهكذا يوجه القرآن هذه النظرة الكامنة في الإنسان ليقف على الأطلال ، ويتذكر الغابرين ، ويعتبر بمصيرهم ، ويهتدي بالسنن التي كشفتها حياتهم ومماتهم من أجل بناء حياة سعيدة آمنة . وعادة ما ينقل القرآن تاريخ الشعوب وليس الأفراد ، وحتى إذا تحدث عن فرد كفرعون أو هامان أو قارون فغالبا ما يضع الحديث عنه في إطار اجتماعي باعتباره طاغية أو مرتزق أو مترف ، والسبب أن حركة التاريخ أجلى وأوضح حينما يوجه الإنسان نظره وفكره إلى مسيرة الأمم وتاريخها ، وتدمير المجتمعات والشعوب أدل على سنن الله وحاكميته من هلاك فرد لأن موته قد يكون بسبب طبيعي ، بل إن موته لا يثير الإنسان للتفكر والاعتبار كما يثيره هلاك الأمم والمجتمعات .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 327 .