السيد محمد تقي المدرسي
63
من هدى القرآن
الله صلى الله عليه وآله اشتراط الشهود في الطلاق ، وحملوا الأمر الوارد في قوله تعالى : « وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ » على الندب كما في : « وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ » [ البقرة : 282 ] ، واشترط الإمامية والظاهرية لوقوع الطلاق إشهاد عدلين ، لقوله تعالى : « فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ » [ الطلاق : 2 ] فالله سبحانه طلب الإشهاد على الطلاق الذي سيق الكلام لبيان أحكامه ، ومن المستهجن أن يعود طلب الإشهاد إلى الرجعة ، لأنها إنما ذكرت تبعا واستطرادا ، كما قالوا : إن من المعلوم أنه ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق ، فالدين الإسلامي لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة ، ولا سيما في العائلة والأسرة ، وعلى الأخص في الزوجية بعدما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى . فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة ، بتكثير قيوده وشروطه بناءً على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده عَزَّ ، أو قَلَّ وجوده . فلهذا اعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولا ، وللتأخير والأناة ثانيا ، عسى إلى أن يحضر الشاهدان ، أو يحضر الزوجان ، أو أحدهما عندها يحصل الندم ، ويعودان إلى الألفة ، يشير إلى هذا قوله تعالى : « لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً » وأيضا قوله تعالى : « وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ » ، فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق ، وجواز الرجعة ، فكان المناسب أن يكون راجعا إلى الطلاق ، وإن تعليل الإشهاد بأنه يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يرشح ذلك ويقويه ، لأن حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يُزجونها إلى الزوجين ، فيكون لهما مخرج من الطلاق . فإذا لم يُشْهِد على الطلاق شاهدين ظاهرهما العدالة يسمعان إنشاء الطلاق كان غير واقع ، وكذا لا يقع إذا أشهد عدلا واحدا أو فاسقين يكون باطلا ، فإنهم قالوا : إن بالإشهاد على الطلاق يظهر التناسق بين إنشاء الزواج وإنهائه ، بل قالوا : إنه لو طلق ثم أشهد لم يكن ذلك شيئا ، والشرط أن يكونا رجلين عدلين ، فلا شهادة للنساء منفردات ولا منضمات للرجال . ورأي الشيعة الإمامية هو الراجح إذ إنه يضيِّق دائرة الطلاق التي اتسعت الآن كثيرا ، كما يسهل إثباته فيما لو وقع خلاف بين الزوجين في الطلاق ، ويجري العمل في مصر على أنه يجب على الموثق المأذون أن يجري الطلاق بحضور شاهدين يثبتهما في إشهاد الطلاق ، ويوقعان على وثيقة الطلاق بالشهادة . وقد نص قانون حقوق العائلة في المادة ( 110 ) على أن الزوج الذي يطلق زوجته مجبور على إخبار المحاكم بذلك ] « 1 » . وهذه شهادة بصورة أخرى يقرها القانون المدني نظرا لأهميتها وواقعيتها .
--> ( 1 ) الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذهب الأربعة والمذهب الجعفري والقانون : ص 378 .