السيد محمد تقي المدرسي

460

من هدى القرآن

خلال أشعة الشمس تتغذى النباتات والأحياء وتتكون في الأرض المعادن المختلفة . « وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً » ويبدو أن المراد من الوهج هو الأشعة حسب الراغب في مفرداته « 1 » . أفلا نهتدي إلى أسماء ربنا الحسنى من خلال آياته التي ذكَّرنا بها القرآن ، فإذا لم نتعرف على قدرة ربنا وحكمته وعلمه وتدبيره من خلال آية الشمس فبماذا نهتدي ؟ . لقد سخر الله الشمس لحياة البشر ، وأشعل هذه الكرة الملتهبة في الفضاء . إن درجة حرارة الشمس تناهز ستة آلاف درجة فهرنهايت . هذا عن سطحها ، أما العمق فإن درجة حرارتها تبلغ الملايين ، وهكذا تنفث هذه الكرة اللاهبة أشعة قد تمتد أكثر من مئة ألف كيلومتر وذلك بسبب التفاعلات الذرية التي تلتهم من جرمها في كل ثانية زهاء أربعة ملايين طن ] « 2 » . وقد جعل الله بين الشمس والأرض هذه المسافة المحدودة لكي تستفيد منها الأرض دون أن تضرَّ بها ، ولو كانت المسافة أبعد لتجمدت أو أقرب لاحترقت . [ 14 ] وإذا كانت الأرض تتغذى بأشعة الشمس ككل فإن حياة البشر تعتمد عليها أيضا ، وأقرب مثل لذلك دورة الماء . أوليست أشعة الشمس التي تشرق على المحيطات هي التي تسبب تصاعد الغيوم عنها ، ثم إنها تكوِّن الرياح التي تحملها ، ثم تتمخض السحب عن الغيث الذي يرزقنا الله به كل خير ؟ « وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً » لماذا سميت السحب معصرات ؟ هل لأنها تتراكم على بعضها فتسبب الأمطار ، أم لأن نظاما طبيعيًّا يسودها حين هطول المطر بسبب اعتصارها ( كما قالوا ) أم أن ذلك إشارة إلى حالة نزول الغيث الشبيهة بعصر الثياب ؟ كل ذلك محتمل . أما الثجاج فقد قالوا إنه المتتالي في السقوط . [ 15 - 16 ] هكذا يرفع الله مياه البحر بعد تحليتها إلى عنان السماء ، ويبسطها في صورة السحب المتراكمة فوق مساحات شاسعة ، ثم يسوقها إلى حيث يشاء من الأرض فيسقيها ، لكيلا يبقى سهل أو جبل إلا وتشمله بركاتها . . ثم إنها تصفِّي الجو من الأدران والغبار ، وتساعد في قتل الجراثيم . أما على الأرض فينبت الله بها ألوانا من المواد الغذائية كالحبوب التي تشكل أهم مصدر للغذاء عند البشر الخضروات ثم الثمار « لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً » أرأيت البساتين والغابات كيف تلتف أشجارها ببعضها ؟ إنها من بركات الغيث . إن هذا النظام الذي لا نجد فيه ثغرة أو فراغا ، ويمتد من أعماق الفضاء حيث تشع الشمس بوهجها ، إلى كف المحيطات حيث تتبخر بفعل الحرارة ، وإلى الصحاري المترامية حيث تنبت الأرض زرعا

--> ( 1 ) مفردات غريب القرآن : ص 533 . ( 2 ) تفسير الأمثل : ج 19 ، ص 335 ، عن طائفة من الكتب العلمية ، نقلًا بتصرف .