السيد محمد تقي المدرسي

46

من هدى القرآن

يتطهر من رواسب الشرك ، ويتخلص من أغلاله ، ويتحدى الأنداد المزعومة . الثاني : الضعف والانهزام أمام الضغوط والتحديات المضادة لخط الرسول والقيادة الإلهية ، فإن أجلى صور التحدي والضغوط تبرز في مواجهة النظام الاجتماعي بكل أبعاده سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا ويجب على المؤمن أن يستقيم في خط التوحيد رغم ذلك ، وهذا بحاجة إلى إرادة صلبة تجعله أشد من الجبال ، وهذه يستمدها من الاستعانة بصاحب القدرة الواسعة والتوكل عليه . وما أحوج الحركات الرسالية والمجاهدين للصمود في مسيرة التغيير عبر التوكل على خالق السماوات والأرض ، والالتجاء إلى حصن ولايته وعزته وقدرته . [ 14 ] ويذكرنا الوحي بأحد أقوى وأخطر التحديات التي يواجهها المؤمنون في طريق الجهاد والطاعة لله وللقيادة الرسالية وهو تحدي الأسرة ، ذلك لأن الأسرة هي حلقة الوصل الأساسية بين الإنسان ومحيطه الثقافي والسياسي ، ولذلك فهي أقرب تأثيرا وأبلغ نفاذا في إرادة المجاهد . ثم إن مقاومة المؤمنين للطاغوت تنعكس بصورة حادة وسريعة على أسرهم ، فإذا بها كلها أو بعضها تقف عقبة في طريق الجهاد ، فينهاروا نتيجة الصِّلات التي تربطهم بها . ولكي يستقيم المؤمن لا بد أن يتذكر هذه الحقيقة ، ويحرق سفن العودة إلى الشرك ، ويتحصن ضد وسائل الضغوط ، ومن أبرزها الأسرة ، وذلك عبر تحديها بصلابة التقوى والإيمان . « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ » قال الإمام الباقر عليه السلام : وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْهِجْرَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله تَعَلَّقَ بِهِ ابْنُهُ وَامْرَأَتُهُ ، فَقَالُوا : نَنْشُدُكَ اللهَ أَلَّا تَذْهَبَ عَنَّا وَتَدَعَنَا فَنَضِيعَ بَعْدَكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُطِيعُ أَهْلَهُ فَيُقِيمُ ، فَحَذَّرَهُمُ اللهُ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ طَاعَتِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْضِي وَيَذَرُهُمْ وَيَقُولُ : أَمَا وَاللهِ لَئِنْ لَمْ تُهَاجِرُوا مَعِي ثُمَّ جَمَعَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ لَا أَنْفَعُكُمْ بِشَيْءٍ أَبَداً ] « 1 » . وفي توجيه القرآن الخطاب للمؤمنين بالذات في هذه الآية بيان لحقيقة واقعية وهي : أن المؤمن الحقيقي مجاهد بطبعه ، لذلك تتوالى عليه الضغوط والتحديات ، ولأنه من دون سائر الناس يتحمل المسؤولية الرسالية ، وبالتالي فإنه الأولى بمثل هذا الخطاب ، والأقرب لفهم معانيه ، فهو هنا ذلك الإنسان الذي آمن بربه وحده ، وأطاع قيادة الحق متوكلا على الله . وكيف يدرك المتقاعسون معنى التحديات الأسرية والاجتماعية والسياسية وهم يسبحون مع تيارها وليس ضده كما يفعل المؤمنون الصادقون ؟ ! .

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 372 ، بحار الأنوار : ج 19 ، ص 98 .