السيد محمد تقي المدرسي
445
من هدى القرآن
ألسنتهم التي سخَّروها لحرب رسالة الله وحزبه ، بل لا يستطيعون النطق للحجج الإلهية البالغة التي لا تدع لهم مجالا للتبرير ولا قدرة على الكلام في محضر رب العزة « 1 » . إن النفس اللوامة تخز ضمير الكاذب المنحرف ، وإن عقله يهديه إلى الاعتبار بمصير الغابرين ، ولكن نفسه الأمارة بالسوء تلح عليه بأتباع الشهوات وامتطاء مركب الغرور والجحود ، وهنا يقدم الشيطان بالحل الوسط ، هو التسويل والتزيين ، فيؤول آيات الذكر ، ويعتذر للدعاة إليها ، ويبرر للناصحين ، ويخادع نفسه . . وهكذا تجد أكثر المكذبين والمجرمين يعدون تبريرات وأعذارا لأنفسهم كما للآخرين بما يزعمون أنها سبب انحرافهم وفسادهم ، ولكن في يوم القيامة ليس لا تقبل منهم تلك المعاذير الباطلة بل ولا يسمح لهم بسردها لأنها محكومة سلفا بالسفاهة والدجل ، مما يدعونا إلى إعادة النظر وبصورة جدية فيما نعتذر به للآخرين أو نخدع به أنفسنا انطلاقا من الثقة بأنها لا تغني عنا شيئا في يوم القيامة . « وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ » لأن الاعتذار النافع هو اعتذار الإنسان لربه في الدنيا عن الخطيئات بالتوبة الخالصة ، أما الآخرة فهي للفصل والجزاء فقط ، من هنا لا يؤذن لهم للاعتذار ، والإمام الصادق عليه السلام يهدينا إلى فكرة دقيقة في الآية فيقول : الله أَجَلُّ وأَعْدَلُ وأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِعَبْدِهِ عُذْرٌ لَا يَدَعُهُ يَعْتَذِرُ بِهِ ولَكِنَّهُ فُلِجَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ ] « 2 » . بلى ، إنهم لا يريدون الجدال عن حقهم بالمنطق السليم ، وإنما يريدون التوسل بالأعذار الواهية ، ولذلك لا يؤذن لهم . وهذا من حكمة الله عز وجل إذ لو كان يترك الإنسان يفعل ما يشاء في الحياة الدنيا ، ثم يفتح له يوم الفصل باب التبرير لفسدت حكمة الخلق ، كلا . . بل لهم الويل بعد الويل « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » ومن هذه الآية نكتشف أن الأعذار الواهية هي بدورها كذب ولصاحبها الويل . [ 44 - 38 ] وبعد أن عرض القرآن مشاهد من يوم الفصل يضع النفوس المكذبة في
--> ( 1 ) جاء في بحار الأنوار : ج 14 ، ص 322 ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام قَالَ : ( بَيْنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي سِيَاحَتِهِ إِذْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ فَوَجَدَ أَهْلَهَا مَوْتَى فِي الطَّرِيقِ وَالدُّورِ قَالَ : فَقَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ مَاتُوا بِسَخْطَةٍ وَلَوْ مَاتُوا بِغَيْرِهَا تَدَافَنُوا ، قَالَ : فَقَالَ : أَصْحَابُهُ وَدِدْنَا أَنَّا عَرَفْنَا قِصَّتَهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ : نَادِهِمْ يَا رُوحَ اللهِ ، قَالَ : فَقَالَ : يَا أَهْلَ الْقَرْيَةِ ، قَالَ : فَأَجَابَهُ مُجِيبٌ مِنْهُمْ لَبَّيْكَ يَا رُوحَ اللهِ ، قَالَ : مَا حَالُكُمْ وَمَا قِصَّتُكُمْ ؟ قَالَ : أَصْبَحْنَا فِي عَافِيَةٍ وَبِتْنَا فِي الْهَاوِيَةِ ، قَالَ : فَقَالَ : وَمَا الْهَاوِيَةُ ؟ فَقَالَ : بِحَارٌ مِنْ نَارٍ فِيهَا جِبَالٌ مِنَ النَّارِ ، قَالَ : وَمَا بَلَغَ بِكُمْ مَا أَرَى ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا وَعِبَادَةُ الطَّاغُوتِ ، قَالَ : وَمَا بَلَغَ مِنْ حُبِّكُمُ الدُّنْيَا ؟ قَالَ : كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ إِذَا أَقْبَلَتْ فَرِحَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ حَزِنَ ، قَالَ : وَمَا بَلَغَ مِنْ عِبَادَتِكُمُ الطَّوَاغِيتَ ؟ قَالَ : كَانُوا إِذَا أَمَرُونَا أَطَعْنَاهُمْ ، قَالَ : فَكَيْفَ أَنْتَ أَجَبْتَنِي مِنْ بَيْنِهِمْ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمْ مُلْجَمُونَ بِلُجُمٍ مِنْ نَارٍ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ وَإِنِّي كُنْتُ فِيهِمْ وَلَمْ أَكُنْ مِنْهُمْ فَلَمَّا أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ أَصَابَنِي مَعَهُمْ ، فَأَنَا مُتَعَلِّقٌ بِشَعْرَةٍ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ أَخَافُ أَنْ أُكَبْكَبَ فِي النَّارِ ، قَالَ : فَقَالَ عِيسَى عليه السلام لِأَصْحَابِهِ : إِنَّ النَّوْمَ عَلَى الْمَزَابِلِ وَأَكْلَ خُبْزِ الشَّعِيرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ ] . ( 2 ) الكافي : ج 8 ، ص 178 .