السيد محمد تقي المدرسي
438
من هدى القرآن
الناس عند رب العزة ، الذي جعل لهم شهادتين متكاملتين : إحداهما في الدنيا بقيامهم شهداء لله بالقسط وقد تقدمت ، والأخرى في الآخرة ، وبجعلهم الحجة والمعيار في محكمة القيامة ، وقد أجَّلها ربنا لذلك اليوم . « لِيَوْمِ الْفَصْلِ » بين الناس في اختلافهم من كل الجهات ، وبين أهل الجنة وأهل النار ، وسميت القيامة بيوم الفصل لأنها اليوم الذي يفصل فيه الخطاب ويحكم الناس في مصائرهم . وإذا كانت الآخرة مقسمة أياما ومراحل فإن الرسل يدلون بشهاداتهم ليس في يوم البعث عموما - حسب ما يبدو - بل في ساعات الفصل عند الميزان . « وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ » إنه يوم رهيب لا يمكن لبشر أن يستوعب أحداثه ووقائعه على طبيعتها وبحجمها أبدا مهما عُرِّف له ، وذلك لأن تلك الحقائق كبيرة ليست بحجم معارفنا ، فهل نقدر أن نستوعب - مثلًا - معنى انفجار ألف قنبلة نووية في لحظة واحدة ؟ كلا . . من هنا يؤكد ربنا في مواضع كثيرة بعد الحديث عن الآخرة القول : « وَمَا أَدْرَاكَ » تارة « وَمَا يُدْرِيكَ » تارة أخرى . ولا يفصِّل السياق في بيان أحوال الناس ومصائرهم يومئذ ، بل يكتفي بإشارة تتضمن الوعيد والإنذار بمصير أولئك المكذبين بالآخرة ، الذين أبعدوا عن أفكارهم مشاهد الحساب وحقائق الجزاء الأكبر فيها ، فأطلقوا لأنفسهم عنان الهوى والشهوة ، وتخبطوا في الجريمة والفاحشة خبط عشواء ، دون أدنى حساب أو إحساس بالمسؤولية « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » وكلمة « وَيْلٌ » كما تكرَّر القول مطلقة تشمل ألوان العذاب المادي والمعنوي ، تتجسد في واد من أشد أودية جهنم خزيا وعذابا ، ولهذا تخصص الويل بقوله تعالى : « يَوْمَئِذٍ » حيث لا يعني أنهم لا ويل لهم هنا في الدنيا ، ولكنه يحمل على أشد ألوان الويل هناك ، باعتبار ذلك اليوم أظهر مصاديق ورطتهم في الويلات والثبور . وأي ويل هذا الذي يهدد به القرآن المكذبين ؟ لكي نعرفه دعنا نتذكر نموذجا صغيرا منه يتمثل في عذاب المكذبين في الدنيا . وهكذا يذكرنا القرآن بعاقبة المكذبين في الدنيا عبر أرقام وحقائق مادية محسوسة لا تقل حقيقة الآخرة عنها وضوحا لدى العقلاء إن لم تكن أشد وأصفى ، فيتساءل السياق سؤال مستثير لأولي الألباب نحو التفكير في مصائر المكذبين من خلال دراسة التجارب التي خلَّفها الآخرون « أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ » ويمكننا حمل الهلاك على محملين : الأول : أنه الهلاك بالموت ، ونحن لا نكاد نقرأ آيات تحدثنا عن سنة الجزاء وحقيقة الآخرة إلا ونقرأ إلى جانبها حديثا عن سنة الموت ، والسبب أنه تعالى يريد هدايتنا إلى أن الآخرة والجزاء حق كما الموت حق ، وأن تكذيب أحد بهما لا يمكن أن يغير من واقعهما شيئا ، كما لا يغير تكذيبه