السيد محمد تقي المدرسي

433

من هدى القرآن

السَّحَابَ ، ثُمَّ يُرْسِلُ الذَّارِيَاتِ فَتَحْمِلُ السَّحَابَ فَتَدِرُّ كَمَا تَدِرُّ اللَّقْحَةُ ، ثُمَّ تَمْطُرُ وَهِي اللَّوَاقِحُ ، ثُمَّ يُرْسِلُ النَّاشِرَاتِ فَتَنْشُرُ مَا أَرَاد ] « 1 » ، وفي المصدر نفسه : قَامَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ : مَا الْعَاصِفَاتُ عَصْفاً ؟ قَالَ : الرِّيَاح ] « 2 » . الثاني : أنها الملائكة ، وفسرت « عُرْفاً » على أنها أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه ] « 3 » ، وقيل : إنهم الأنبياء والرسل ، الذين أُرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف ، فإنه لا شك أنهم أرسلوا ب - ( لا إله إلا الله ) ، وهو مفتاح كل خير ومعروف ] « 4 » . والذي يبدو لي إمكانية الجمع بين القولين ، إذا عرفنا أن للرياح ملائكة موكلة بها ترسلها وتزجرها بأمر الله ، بالذات وأن الصيغة جاءت للمبني للمجهول . ومن هذا المنطلق نستطيع القول : إن الآيات ظاهرها الرياح وباطنها الملائكة ، أما عن إلقاء الذكر الذي نتلوه في السياق فيمكن تأويله بالرياح والملائكة معا ، فإذا أَوَّلنا « وَالْمُرْسَلاتِ » بالملائكة فإنها تُلقي وحي الله وآياته إلى الأنبياء ثم إلى الناس . وإذا أَوَّلناها بالرياح فإنها الأخرى تلقي الغيث الذي يعد تذكرة للناس . ويمكن أن يقال : إن « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً » تعني الرياح التي تكون في صالح الناس وخيرهم ، أي المرسلات بما يعرفه الناس ويستسيغونه من غيث وبشارة . وأنى كان فإن إجمال مثل هذه الكلمات يجعلنا نوصل الحقائق ببعضها ، فلا نميز بين الرياح المرسلات بالغيث والبركة وبين الملائكة الموكلين بها أو المرسلين بالوحي والرسالة ، فإن فائدة القسم تتحقق بهما ، كما أنهما معا من شواهد وعد الله ، ويصح القسم بهما ، وهذا من روائع النهج القرآني في الأدب . « فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً » في التبيان : يعني الرياح الهابة بشدة ، والعصوف مرور الريح بشدة ، وعصفت الريح تعصف عصفا وعصوفا إذا اشتد هبوبها ] « 5 » ، وإذا صرفنا المعنى إلى الملائكة فللعصف وجهان : الأول : السرعة ، فإن العرب تقول : فرس عصوف أي سريع الحركة ] ، قال العلامة الطباطبائي : والمراد بالعصف سرعة السير ، استعارة من عصف الرياح أي سرعة هبوبها ، إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما أرسلت إليه ] « 6 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 21 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 57 ، ص 21 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 528 . ( 4 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 26 . ( 5 ) التبيان : ج 10 ، ص 223 . ( 6 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 146 .