السيد محمد تقي المدرسي

412

من هدى القرآن

به إلى الماء فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود ] « 1 » . وإلى مثل هذا الجزاء تتطلع النفوس بصورة فطرية ، من هنا يوجهنا القرآن إلى حقيقة هامة وهي أن ذلك النعيم لم يصل إليه الأبرار عبثا ومن دون سعي ، وإنما لما جسدوا في حياتهم من صفات الخير ، فإن ما عند الله لا ينال بالتمني والتظني بل بالسعي والاجتهاد . [ 7 ] « يُوفُونَ بِالنَّذْرِ » أيّ نذر وعهد يقطعونه على أنفسهم ، وأظهر مصاديق النذر في حياة الإنسان عهده الذي أخذه الله منه ، وتعهَّد هو بالوفاء به في الميثاق الأول في عالم الذر حيث قطع على نفسه بتوحيد ربه وطاعته وتولي أوليائه ، وحينما تنبني شخصية المجتمع على أساس الوفاء بالتعهدات فذلك مما يزيد الثقة والاطمئنان بينهم ، ويجعل المجتمع مُهيًّأ للتقدم والتحضر ، لأن الحضارة في حقيقتها مجموعة من القيم التي يؤمن بها المجتمع ويتعهد الوفاء بها ، وأصل الحضارة تكاثف الجهود ، وتراكم الانجازات ، وتركُّز الخبرات ، وكل أولئك رهين الثقة المتبادلة والتي يزرعها الوفاء بالعهود . أما لماذا يلتزم الأبرار بالعهد ويوفون بالنذر فلأنهم يعيشون أهوال القيامة فيخشونها ، ويرتفعون إلى الحالة الجدية التي يتطلبها مثل ذلك اليوم ! « وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً » قال الإمام الصادق عليه السلام : عَابِسًا كَلُوْحًا ] « 2 » ، وعن علي بن إبراهيم قال : المستطير العظيم ] « 3 » . فالخوف الحقيقي من الآخرة إذن هو الذي يتحول إلى إيمان يردع الإنسان عن الخيانة ونقض العهد والكذب وكل خطيئة ، ويدفعه إلى كل فضيلة وصفة حسنة في الدنيا ، وبتعبير آخر : إن الخوف من الآخرة وقود الإنسان في مسيرته الصاعدة نحو الكمال . وهكذا تجد القرآن يذكِّرنا بها المرة بعد الأخرى لتصبح جزءا من كياننا الثقافي ، ومزيجة مع شخصياتنا ، وصبغة أساسية لحياتنا . [ 8 ] وصفة أخرى تقرِّب الأبرار إلى ربهم وإلى ذلك النعيم الكبير هي تحمل المسؤولية الاجتماعية تجاه الضعفاء وأهل الحاجة بالرغم من حاجتهم الماسة إلى الطعام « وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً » قيل : « عَلَى حُبِّهِ » أي على حب الله ، وهذا صحيح من ناحية المعنى ، أما سياق الكلام فيدل على حب الطعام - لأنه أقرب إلى الضمير ، ولأن حب الله ( ووجهه ) ذكر في الآية التالية بصورة مستقلة لأهميته فلا داعي للتكرار - . وهذا يعني أن المراد من حب الطعام هنا : أن الأبرار لا يطعمون الآخرين من فاضل طعامهم ، بل مما يطعمونه أنفسهم وإلى حد الإيثار ، بحيث يتصدقون بما عندهم وينفقونه مع حاجة وحب إليه ، وهذه من

--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : ص 126 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 35 ، ص 240 . ( 3 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 398 .