السيد محمد تقي المدرسي
41
من هدى القرآن
أفلح أن يكون أهلا للجنة ملك قصوره فيها وورث أهل النار منزله فيها ، كما يرث منازل أهل النار التي كانت لهم في الجنة ، وذلك قوله تعالى : « أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ » [ المؤمنون : 10 - 11 ] ، ويومئذ يظهر الغبن لدى أهل النار بخسرانهم الجنة ووقوعهم في الخسارة العظمى بدخول جهنم ، ولأن المؤمنين يرثون منازلهم في الجنة فكأنهم أوقعوا بهم الغبن . 2 - إن المؤمنين والكافرين في صراع وتحدٍّ دائمين ، وكل فريق يحاول إيقاع الخسارة بالطرف الآخر عبر الانتصار عليه أو تحطيمه ، وحيث إن الدنيا دار الابتلاء لكلا الفريقين فهي للكافرين على المؤمنين تارة ، وتارة للمؤمنين على الكافرين ، والغبن فيها نسبي محدود ، أما في الآخرة وهي دار الخلود فإنها المصداق الأعظم للتغابن ، فالغابن فيها غابن حقًّا ، والمغبون فيها خاسر بتمام المعنى . صحيح أن أساس الغبن في الدنيا ، لأن الدنيا هي دار العمل ، ولكن ظهوره لا يكون إلا في الآخرة ، ولا يسمى الغبن غبنا إلا بعد أن يظهر للناس جليًّا . « وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً » أي يترجم إيمانه إلى العمل فإن الإيمان الحقيقي بالله أصل كل خير والباعث على كل صلاح ، « يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ » أي الخطايا الجانبية ، « وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » وهذا مصير الطرف الغابن . وفي الآية إشارة إلى أحد معاني الشفاعة وهي أن تكون لدى الإنسان حسنات كبيرة تذهب بالسيئات الصغيرة . [ 10 ] وفي نهاية الدرس الأول من سورة التغابن يضع القرآن بين أيدينا صورة للفريق المغبون ، وأي غبن وخسارة أعظم من الخلود في عذاب النار ؟ ! « وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » إن السبيل إلى الفوز كان في الإيمان بالله الذي بيده مصائر الناس ، وفي اتباع رسله والقيادات الرسالية ، وفي العمل بمنهج الفوز الذي تنطوي عليه آيات القرآن ، وقد نبذوها وراء ظهورهم فصاروا إلى الخسران .