السيد محمد تقي المدرسي

402

من هدى القرآن

التمطي تمدد البدن من الكسل ، وهو من لوى مَطَاه أي ظهره . قالوا : إنه إشارة إلى التبختر على نهج القرآن في ذكر الصفات بالتصوير الظاهر . ولعله أعم من ذلك حيث يدل على حالة اللامسؤولية والاشتغال باللهو واللعب عن الجد والاجتهاد . ثم يتوعد الله من تكون صفاته التي مر ذكرها بالعذاب بعد العذاب فيقول : « أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى » عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي عليه السلام قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ : « أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى » قَالَ : يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بُعْداً لَكَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَبُعْداً لَكَ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ ] « 1 » . وأصل الكلمة وعيد وتهديد ، ومعناه : أن المكروه يقترب منك وأنت صاحبه وجاءت الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيد أبي جهل ثم قال له : « أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى » فقال أبو جهل : بأي شيء تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا وإني لأعز أهل هذا الوادي ، فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله ] « 2 » ، وقال القرطبي : وقيل : معناه الويل لك ] « 3 » . [ 36 - 40 ] ويستنكر القرآن على الإنسان شذوذه عن الحق وكفره به « أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى » كل شيء في حياة الإنسان يهديه إلى إحاطة تدبير الله به ، وشمول رعايته لحياته ، وإلا لأعدمت أو تحولت جحيما لا يطاق ، وأبرز ذلك خلقته : كيف حملته يد اللطف من صلب أبيه حيث كان حيوانًا منويًا لا يرى إلى رحم أمه ، وأجرى له الطعام والشراب ، وضمن له السلامة والأمن حتى أصبح علقة ، ثم رعاه وحماه ورباه حتى جعله خلقًا سويًّا . . فهل يُعقَل أن يُترَك في المستقبل سدى وهو لم يُترَك كذلك سلفا ، بل لا شيء في كيانه تُرِك بلا هدف أو غاية ؟ . « أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ( 37 ) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى » وكما أن هذه المراحل حتمية بالنسبة للإنسان فإن الآخرة هي الأخرى حتمية ، والفكرة هذه تفسر ربط القرآن الدائم بين الحديث عن الآخرة والحديث عن مراحل خلقة الإنسان وأطواره ، التي يهتدي المتدبر فيها إلى معرفة ربه حيث هي آيات لطفه وحكمته وقدرته . وبعد تفكُّر البشر في نفسه وخلقه يجب أن يطرح على نفسه هذا السؤال الحاسم : « أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى » ولن يجد أحدنا جوابا لهذا السؤال إلا أن يقول : بلى ؛ وحينئذ سيؤمن بيوم القيامة وحقائق الآخرة ، لأن الشك في فكرة الآخرة منبعث من الجهل بقدرة الله النافذة التي لا تحد .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 90 ، ص 142 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 168 . ( 3 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 115 .