السيد محمد تقي المدرسي

400

من هدى القرآن

إلا بقدر ما يشاء الله سبحانه وتعالى عن وصف الواصفين . جاء في الحديث عن صفوان عن ابن حميد قال : ذاكرت أبا عبد الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) فيما يروون من الرؤية ( لذات الله عز وجل ) فقال : الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ ، والْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ ، والْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ ، والْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ ، فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَلْيَمْلَئُوا أَعْيُنَهُمْ مِنَ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ] « 1 » . « وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ » وهي وجوه المجرمين حيث القيامة موعدهم مع الفضيحة والعذاب والذل ، وَبُسُور وجوههم يحكي باطن نفوسهم المنطوية على اليأس والتشاؤم والخوف مما ستلاقيه . « تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ » قال أهل اللغة : الفاقرة جمعها فواقر : الداهية الشديدة ، فكأنها تكسر فقره الظهر ، والفقرة : الأمر العظيم ، وإن المجرمين يوم القيامة ليساورهم هاجس ورعب ينتظرهم من الدواهي ، وهذا الهاجس يعد عذابا عظيما بذاته . [ 31 - 35 ] تلك هي حقائق يوم القيامة التي يجب على الإنسان أن يتذكرها دائما ، باعتبار الإيمان بها يجعله متوازنا في التفكير ، ويسوقه نحو التسليم للحق والعمل به ، ولكن الحُجُب تحول بينه وبين الإيمان بذلك المستقبل فيكذب به ، ولكن هل يغيِّر تكذيبه من الحقائق شيئا ؟ كلا . . فليكذب بالموت فهل يمكنه أن يلغيه ، أو يجد مفرًّا من ملاقاته ؟ بالطبع كلا . . فحركته نحونا وحركتنا نحوه سنة حتمية ، وكذلك بالنسبة لمواقف القيامة . وعندما يواجه الإنسان المحنة الفاقرة في الدنيا تتساقط الحجب من عينيه فيرى الحقائق بوضوح ويعترف بها بصراحة ، ويندم حتى الأعماق على ما كذب به ، ولا محنة أعظم من الموت ، ولا ساعة أشد على الإنسان في الدنيا من ساعة السكرات . « كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي » [ وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين ] « 2 » ، وقال صاحب المجمع : التراقي جمع الترقوة ، وهو مُقَدَّم الحلق من أعلى الصدر ، تترقى إليه النفس عند الموت ، وهناك تقع الحشرجة ] « 3 » ، ويقال : بلغت الروح التراقي كناية عن صعودها وقرب خروجها من البدن ومفارقتها له ، ولعلها حقيقة يعانيها الميت عند سكرات الموت . « وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ » أي وقال أهله : من راق ؟ أي طبيب شاف يرقيه ويداويه ، وقيل : تختصم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيهم يرقى بروحه ] « 4 » ، وبه قال الرازي والزمخشري وصاحب تفسير فتح القدير . ولعل المعنى من الرُّقية ( الأدعية والتعويذات التي تكتب في قرطاس للتشافي بها ) وكأن المعنى أن أهله أو هو نفسه يسألون عمن يكتب له ذلك طمعا في الشفاء . « وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ »

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 55 ، ص 28 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 230 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 508 . ( 4 ) المصدر السابق : ص 401 .