السيد محمد تقي المدرسي

397

من هدى القرآن

وبقدره : « فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » [ طه 114 : ] ، ليبني المجتمع الإسلامي النقي ، ومن ثم الأمة الإسلامية الحنيفة على ضوء آيات الوحي ، ويتم - بالتالي - تثبيت فؤاد النبي وسائر المؤمنين عبر القرآن ، وهكذا لم ينزل القرآن لمجرد قراءته وحفظه ، بل حتى يطبقه الناس ويتبعوا هداه في الحياة . وهذا يهدينا إلى أن الله يوفق الإنسان لفهم آيات الذكر بما يتم عليه حجته البالغة ، فإن آمن واتبع هداه نور قلبه بالمزيد من المعرفة ، وإن كفر جعل قلبه قاسيا ، وطبع عليه بكفره . ولعل في ذلك بصيرة يحتاجها كل داعية رسالي ألا وهي ضرورة تحدي انفعالاته وردود فعله ، بل يجب أن يتبع خططه الحكيمة ، وينتظر بكل خطوة وموقف الإذن والأوان المناسب . قال الإمام الصادق عليه السلام : يَا مُفَضَّلُ إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَاللَّهُ يَقُول : « شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » ، وَقَالَ : « إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ( 3 ) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 ) أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ » ، وَقَالَ : « لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ » ، قَالَ المُفَضَّلُ : يَا مَوْلَايَ فَهَذَا تَنْزِيلُهُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ ، وَكَيْفَ ظَهَرَ الْوَحْيُ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا مُفَضَّلُ أَعْطَاهُ الله الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ لَا يُبَلِّغُهُ إِلَّا فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْخِطَابِ وَلَا يُؤَدِّيهِ إِلَّا فِي وَقْتٍ أَمَرَ وَنَهَى ] « 1 » . « ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ » إيضاح معانيه ، وبيان حقائقه وتأويلاته ، حتى لا تبقى للإنسان حجة على الله ، ولكي تكون لله الحجة البالغة عليه في الدنيا والآخرة . أما كيف يبين ربنا قرآنه الكريم لكافة الناس فلعل من أسبابه : أنه يَقَيِّض الدعاة إليه ، والأَدِلَّاء عليه ، وأهل البصائر النافذة لتفسيره وبيانه ، ثم إن لله حجتين على الإنسان واحدة باطنة هي عقله ، وأخرى ظاهرة هي رسالة الله ورسله ، وهما يلتقيان في وجدان كل إنسان سوي ، فما يأمر به القرآن من قيم الصدق والعدل والإحسان يأمر به العقل أيضا ، وهذا من سبل بيان القرآن لأنه يتطابق ووجدان الإنسان وفطرته وعقله والعرف العام عند العقلاء . وهناك سبب آخر لبيان القرآن : أنه يفسر بعضه بعضا ، فلا تكاد كلمة تذكر في سياق إلا ويفسرها السياق ذاته قبله وبعده ، ببيان مصاديقها وأمثلتها التاريخية وشواهدها الواقعية ، فلا يدع الناس في حيرة من أمرهم ، وأبرز مثل لذلك سورة الإخلاص حيث تأتي كل كلمة فيها تفسيرا لما سبقتها ، فتفسير « قُلْ » يأتي بما بعده من قوله : « هُوَ اللَّهُ » ، وتأويل « هُوَ : اللَّهُ » ، وتفسير « الصَّمَدُ » هو أنه « لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ » ، كما أن مجملات القرآن في سورة تفسرها مُفَصَّلاتها في سور أخرى ، وهكذا جعل الله القرآن مُيَسَّرا للذكر بسبل شتى .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 38 .