السيد محمد تقي المدرسي

395

من هدى القرآن

والذي يبدو لي في الصلة بين الآيات ما سبق من أن القرآن - إلى جانب يوم القيامة والنفس اللوامة - حجة على الإنسان ومحكمة لعمله ، يكشف للإنسان الحق عندما يرجع إلى آياته ، ويعرض نفسه عليها ، وينبغي للرسول ألَّا يستعجل به بهدف إكمال الحجة على الناس ، بل يجب أن يتبع ما يُقضى إليه بشأنه ، فإن ذلك يكفي لهداية من يريد الهداية ويبحث عنها ، أما الذين لا يريدون تحمل المسؤولية ، ويسعون دائما لإلقاء الأعذار والتبريرات ( فلا يخافون يوم القيامة ، ولا يسمعون ملامة أنفسهم ) فإن الاستعجال بالقرآن وعرضه كله عليهم مرة واحدة لا يغيِّر في حياتهم شيئا أبدا ، والسبب أن مشكلتهم ليست قلة الآيات ، بل كونهم لا يريدون الإيمان وتحمُّل المسؤولية ، فلماذا العجلة إذن ؟ كما أن علاج الإنسان المشتمل على كثير من الصفات السلبية ، كالجدل ، وحب الراحة ، والتبرير ، وإرادة الفجور ، ومن ثم التكذيب بالقيامة وبما تعنيه من مسؤولية في الدنيا ، وبعث وحساب وجزاء في الآخرة ، إن علاجه من كل هذه الأدواء لا يتم مرة واحدة ، بل لا بد من منهجية تربوية مخططة ومتدرجة ، تنتشله من حضيض الباطل إلى قمة الحق لتسمو به في آفاق الكمال والهدى . وهذا يقتضي التدرج في طرح الإسلام عليه . « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ » قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه ، وحرصه على أخذه وضبطه مخافة أن ينساه ، فنهاه الله عن ذلك ] « 1 » ، وفي الدر المنثور عن مجاهد قال : كان الرسول صلى الله عليه وآله يستذكر القرآن مخافة النسيان ، فقيل له : كفيناك يا محمد ] « 2 » ، وعلى هذا الرأي مؤاخذات عدة : الأولى : أن نهي الرسول صلى الله عليه وآله عن فعل شيء ما لا يعني أنه صلى الله عليه وآله قد أتى به من قَبلُ ، فليس صحيحا أنه كان يخشى النسيان وهو على يقين بأن الله يلهمه القرآن ويثبته في قلبه . وقد نهى الله نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله عن أمور كثيرة من قبيل إطاعة الكفار والمنافقين فهل نفهم من ذلك أنه خضع لهم ؟ ! ، حاشا لحبيب الله . ومن ذلك قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً » [ الأحزاب : 1 ] . الثانية : أنه تعالى بيَّن لنبيه صلى الله عليه وآله أنه لا ينسى فقال : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى » [ الأعلى : 6 ] ، والزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد خشي النسيان يعني ( والعياذ بالله ) أنه شك في وعد الله وكلامه هذا له . الثالثة : أن القرآن يشير بوضوح إلى باعث النبي على التفكير في الاستعجال بالقرآن ،

--> ( 1 ) مجمع البيان ج 10 ص 504 . ( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ص 289 .