السيد محمد تقي المدرسي
39
من هدى القرآن
البعث والحساب ومن ثم على الجزاء إذ يقول تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وآله : « قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ » وفي هذه الآية تأكيدات عديدة وذلك في مواجهة زعمهم الباطل ، فالتأكيد اللفظي يواجه بتأكيدات في الكلام أقوى منه . وأمره تعالى الرسول ومن خلال ذلك كل مؤمن يواجه شبهات الكفار « قُلْ » لا يعني مجرد الدعوة للقول بل هو دعوة لاتخاذ موقف مضاد ، إذ إن القول هو ما يحكي إيمان الإنسان ، والمؤمن مكلف أن يحكي إيمانه بالآخرة موقفا صريحا يتحدى موقف الاستهزاء والإنكار . ثم إنهم نفوا البعث في حين نجد السياق يؤكده ويضيف بالتأكيد على الجزاء لأنه محور القضية ، فهم زعموا أن لا بعث لكي يتحللوا من المسؤولية ، في حين أن القرآن أكد أن إنكارهم البعث لا يخفف عنهم من العذاب شيئا ولا يهوِّن لهم من المسؤولية أمرا . وفي خاتمة الآية إشارة إلى أهم عقبة نفسية عند الكفار أمام إيمانهم بالآخرة ونسفها « وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » لأنه تعالى قدير ، فهو ليس كما نحن البشر عاجزا أو محدود القدرة ، بل هو صاحب المشيئة التامة فلا شيء يمتنع عنه أو يصعب عليه . وقد نتلمس في الآية إشارة إلى أن الكفار زعموا لله مجموعة من الصفات البشرية التي تجعله عاجزا عن بعث الناس بعد الموت في فكرهم ، وذلك امتداد لتصوراتهم ومقاييسهم البشرية التي دعتهم للكفر والتولي عن بينات الله ورسله . [ 8 ] ولكي يتجنب الناس وبال الأمر في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة ، ويفوزوا الفوز العظيم ، يرسم القرآن المعالم الأساسية لطريق النجاة والفوز . إنه في الإيمان بالله ورسوله والنور المنزل من عنده « فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » الإيمان بالله هو الأصل ولكنه لا يكتمل إلا بالتسليم لرسوله حتى تتحول الرسالة الإلهية إلى واقع حضاري بالانتظام تحت راية القيادة الرسالية ، ولا بد أن تصير واقعا تفصيليًّا يضع لمساته على جوانب حياته ومفرداتها المختلفة ، وبعبارة أخرى : إن الإيمان بالله والرسول ليس عقيدة مجردة في القلب ، ولا مظاهر وطقوس فقط ، إنما هو منهج حياة يجب على الإنسان ( فردا وأمة ) أن يلتزم به . « وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا » والقرآن نور لأنه يخرج الإنسان من ظلمات الجهل والكفر ، ويثير دفائن عقله ، وينمي بواعث الخير في وجدانه ، ويرسم له مناهج الحياة . وأي نور أعظم من حبل الله وكتابه الذي يوصل البشرية بالله « نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ » [ النور : 35 ] ؟ ! ولقد مضى القول في سورة النور وفي سورة الصف عن أن القيادة الرسالية هي الأخرى مظهر وتجلٍّ لنور الله ، لأنها صورة ناطقة لكتاب الله ومثل أعلى لرسالاته ، وأن اتباعها ينير للإنسان دروب الحياة الفرعية المتداخلة ، ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام : لَنُورُ الْإِمَامِ فِي