السيد محمد تقي المدرسي

370

من هدى القرآن

الدين ، فلو كانوا مؤمنين حقًّا لكانوا من المصلين ولأنهم ليسوا كذلك سواء بتركها أو السهو عنها فهم من المجرمين ، ولأن الكفار يُحاسبون على الفروع أيضاً بناءً على مطالبتهم بالأصول ، فهم قد أضاعوا الصلاة بكفرهم وسوء اختيارهم لا بمعنى أن عبادة الكفار مقبولة ، فالقانون واحد لا فرق فيه بين المؤمنين والكفار . ثانياً : عدم إطعام المسكين « وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ » ، والمسكين أشد حاجة من الفقير ، لأنه الذي يُسْكِنُهُ الفقر ولا يملك قوت يومه ، ومساعدة هذه الطبقة من الناس واجب شرعي إنساني اجتماعي يفرضه الإسلام كما يفرضه العقل والعرف ، فحينما يصل العوز بفرد من الأفراد إلى حد الضروريات الأولية كالطعام اللازم للحياة فإن المجتمع مسؤول أمام الله عن رفع حاجته بأية طريقة ممكنة . وقد عكس الإسلام هذا المبدأ في نظامه الاقتصادي وتشريعاته الجنائية والقضائية ، بحيث رفع حد السرقة عمن تدفعه إليها الحاجة الضرورية وقد تخلَّف مجتمعه عن أداء مسؤوليته تجاهه . واعتبر دراسة الأحوال الشخصية والظروف الاجتماعية والاقتصادية جزءا من نظامه القضائي في المجتمع . وتأخذنا الآية الكريمة حينما نتدبرها ضمن سياقها ( صفات المجرمين ) إلى أبعد من ذلك حينما تعتبر الإنسان الذي لا يتحمل مسؤولية الفقراء والمساكين ( فردا ومجتمعا ) هو مجرما أيضا ، لأن اندفاع المسكين إلى ممارسة السرقة والفساد تحت مس الجوع والحاجة ليس بأعظم جريمة من جريمة عدم إسعافه من قبل ذوي الاستطاعة . إن موقف الإسلام الحازم والواضح من مساعدة المساكين والمحرومين جزء من نهجه الأقوم لعلاج مشكلة الظلم والطبقية ، وقد ربط القرآن بين العاقبة ( سلوك سقر ) وبين الأسباب ( الآيات : 48 - 43 ) لبيان أن عذاب سقر ليس إلا سلوكيات وأخلاق تتجسد في الآخرة . ولتقريب الفكرة نقول : لو افترضنا ( سقرا ) سجنا ذا أربعة جدران من نار فإن كل واحدة من صفات المجرمين الأربع تمثل واحدا منها . ثالثاً : الاسترسال مع التيار « وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ » ، قال قتادة : معناه كلما غوى غاو للدخول في الباطل غوينا معه ، أي كنا نُلوِّث أنفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرِّجل بالخوض ، فلما كان هؤلاء يخرجون مع من يكذِّب بالحق مُشيِّعين لهم في القول كانوا خائضين معهم ) « 1 » وَمَثَّل لذلك ابن زيد فقال : نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وآله وهو قولهم : كاذب ، مجنون ، ساحر ) « 2 » . الاستقلال من أهم أهداف الإنسان في الحياة ، باعتباره محتوى التوحيد ، وجوهر

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 497 . ( 2 ) فتح القدير : ج 5 ، ص 333 .