السيد محمد تقي المدرسي

37

من هدى القرآن

ولحقيقة البعث والجزاء في الآخرة ، وهي تاريخ الأمم والأقوام الذين كفروا بالحق فاستأصلهم الله بألوان من العذاب . « أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ » في الدنيا ، والوبال هو السوء ، وهنا بمعنى العاقبة السيئة ، وما دام الإنسان مسؤولا عن أفعاله في الدنيا وهي دار امتحان فكيف لا يكون مسؤولا عنها في الآخرة ؟ ! وعموما : فإننا سوف نواجهه إن خالفنا عاجلا أم آجلا في الدنيا أو في الآخرة ، « وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » ينتظرهم في الآخرة . ووصف الله للعذاب بأنه « أَلِيمٌ » ينسف بعض الفلسفات التي حاولت تبرير الذنوب للناس بزعمها أن الإنسان يوم القيامة لا يشعر بحرارة النار ، ومثلوا لذلك بالقول : إن هناك بعض الحشرات تعيش في النار ولا تتأثر بها ! وهو زعم لا دليل عليه . [ 6 ] أما السبب الذي انتهى بأولئك إلى عذاب الدارين فهو تكبرهم على الرسل ، وكفرهم بهم ، وتوليهم عنهم إلى غيرهم « ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ » أي الآيات الواضحة التي لا غموض فيها . إذن كانت الحجة قائمة وبالغة مما يجعل العقلاء يخضعون لها ، ولكن الكفار لم يتبعوا العقل ، إنما اتبعوا الأهواء . لذلك لم يسلِّموا لقيادة الرسل . « فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا » إنهم لم يجدوا ثغرة في رسالات الله لكي يعيبوها ، ولا نقصا في أخلاق الرسل وسلوكياتهم ، ولكنهم مع ذلك لم يكونوا مستعدين للخضوع لقيادة واحد منهم ، ولا لتحمل المسؤولية بأية صورة ، لذلك صاروا يبحثون عن تبرير يتخلصون به من المسؤولية ، فكان قولهم : إن الرسل بشر لا يصح الخضوع لهم ، وهذا ما يتشبث به الكفار عبر التاريخ . . فلماذا إذن يبعث الله الرسل من البشر أنفسهم ؟ والجواب : لأمرين أساسيين : الأول : أن الكفار أرادوا من ذلك تبرير انحرافهم وكفرهم ، فلو أن الله بعث ملائكة أو جنٍّا لبحثوا لهم عن تبرير آخر ، ولو كان يهمهم الحق لاتبعوا الرسل الذين جاؤوهم بالبينات . الثاني : أن الهدف من بعث الرسل هو تزكية الإنسان وتطهره من أمور النزعات السلبية التي فيه كالكبر ، والسمو به إلى آفاق العبودية والتسليم للقيم والحق ، وهذا يقتضي أن يكون الرسل من البشر أنفسهم حيث إن التسليم لهم أبلغ أثرا في امتحان البشر ، فهل تخلصوا من نزعة الكبر ، وتعالوا إلى سماء التواضع لله ؟ علما بأن الصراع على السلطة أعظم من أي صراع آخر ، وشهوة الرئاسة أشد من أية شهوة أخرى . وقد جاء الرسل ليحكموا بين الناس بالعدل ، وكان الطغاة يحكمونهم بالجور . وترى كيف يتنازل الطغاة عن سلطانهم ويسلِّموا لأمرهم ولأمر من ينوب عنهم من أوصيائهم وأوليائهم ؟ ! إنه حقًّا ابتلاء عظيم للطغاة ومن أيدهم واتبعهم ، وإنها لفتنة عمياء سقطت فيها أكثرية النفوس الضعيفة . ونجد صورة لها في أمر الله إبليس بالسجود لآدم وليس لأعظم ملائكته مما أثار رفضه وتمرده ، مما يؤكد بأن ظاهر القرآن