السيد محمد تقي المدرسي

368

من هدى القرآن

باء : أن هذه القاعدة جارية على كل نفس من دون استثناء أو تمييز بين أبيض وأسود ، أو ذكر وأنثى ، أو عربي وأعجمي ، فلا قيمة أسمى من العمل الصالح . هكذا يُشرِّع الله لعباده ، وذلك يعني أن كل الفلسفات الضيقة العنصرية والعرقية والقومية و . . مرفوضة . جيم : أن أغلب المآسي التي تصيب النفس وتصبح رهينة لها هي من كسبها وسعيها ، كما قال ربنا سبحانه : « وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ » [ الشورى : 30 ] ، فالحوادث إنما نذوق طعمها لقلة انتباهنا وضعف وعينا بأمور الحياة وقوانينها ، والأمراض إنما تتسلل إلى أجسادنا لعدم اهتمامنا بالقواعد الصحية ، والتخلف والتمزق وسيطرة الطغاة والظالمين ، وحتى الزلازل والانهيارات وسائر الكوارث الطبيعية . . إنها جميعا من عند الإنسان نفسه ، وهكذا الجزاء الأخروي ، فإن أصحاب النار هم المسؤولون عن تورطهم فيها لما أقدموا عليه من الجرائم والسيئات ، كما أنهم كانوا قادرين قبل انقضاء فرصة العمر على افتداء أنفسهم وفك أسرها بعمل الصالحات ، كأصحاب اليمين الذين يمتازون من سائر الناس بذلك . « إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ » قال الإمام الباقر عليه السلام : نَحْنُ وَشِيْعَتُنَا أَصْحَابُ اليَمِيْنِ ] « 1 » ، وفي الكشاف : وعن علي عليه السلام أنه فَسَّر أصحاب اليمين بالأطفال ، لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها ] « 2 » ، ورجَّحه الرازي في تفسيره ، وليست هذه إلا مصاديق لحقيقة واحدة ، فالأصل من اليُمْن نقيض الشؤم ، كما مر علينا في سورة الواقعة عند قول تعالى : « فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ » [ الواقعة : 8 - 9 ] ، وإرجاع التعبير إلى أصله يجعله يتسع لمصاديق أخرى كثيرة . وقد استثنى ربنا أصحاب اليمين باعتبارهم من دون كل الناس ليسوا رهائن لأن كسبهم وسعيهم محمود ، بل هم في نعيم واسع مقيم . « فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 40 ) عَنْ الْمُجْرِمِينَ » والسؤال : ما هي أهمية التساؤل عن المجرمين بالنسبة لأصحاب الجنة ؟ . أولًا : لأن ذلك يزيد المؤمنين لذة بالنعم مادية ومعنوية ، فكما أن تحسس الغني لأوضاع الفقراء يزيده شعورا بفضل الله عليه فإن أصحاب اليمين تزداد لذتهم بنعم الجنة ونعمة الهداية حينما يطَّلعون على نقيضهم . ثانياً : هذا الحوار المستقبلي نافع للمؤمنين في الدنيا ، لأنه يكشف لهم عن مكامن الخطر ،

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 24 ، ص 9 . ( 2 ) الكشاف : ج 4 ، ص 655 .