السيد محمد تقي المدرسي
364
من هدى القرآن
عن السلطة ، وذلك مما لا تطيقه أنفسهم الضيقة المستكبرة . . فلا بد إذن من إخراج موقفهم الباطل من هذه الذكرى ، ولما فكَّروا وقدَّروا بهذه الخلفية الثقيلة تمخضت أفكارهم وتقديراتهم عن نتائج خاطئة ، فزعموا أن الرسالة « سِحْرٌ يُؤْثَرُ » وأنها ليست « إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » ، وحتى إنذار الله لهم بالسقر لم ينفعهم ، بل اتخذوه تبريرا جديدا لكفرهم ، حيث قالوا : إن العدد المذكور عن حُرَّاسها التسعة عشر : عدد قليل يمكن مواجهتهم ! وهكذا يفعل كل مترف ومتسلط ، لا تزيده الحجج إلا لجاجا ، إذ يبحث فيها عن تبرير جديد يزعم أنه يُسوِّغ له الكفر وحتى الاستهزاء ، حتى أنك تجد مثلا بعض المتصوفة يستهزئ بالنار ويقول : سوف أطفئها بطرف ردائي ! وهكذا توالت كلمات القَسَم في السياق لعلنا نستجيب لها ، ونفكر جديًّا بأمر العقاب . « كَلَّا وَالْقَمَرِ » قيل : معناه ليس الأمر على ما يتوهمونه من أنهم يمكنهم دفع خزنة جهنم وغلبتهم ] « 1 » ، وقال الرازي ( وهو بعيد ) : إنه إنكار - بعد أن جعلها ذكرى - أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون ] « 2 » ، ومثله الزمخشري في الكشاف . ووجه استبعاد هذا الرأي أن نفي الذكرى بعد إثباتها بقوله : « وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ » يحتاج إلى تبعيض وتخصيص يفرد الكفار ومرضى القلوب عن عموم البشر ، ولا دليل عليه . والأفضل أن نقول : إن كلمة « كَلَّا » تأتي لردع الإنسان عن الجهل والغفلة وعن مجمل الأفكار الباطلة التي كان أولئك يؤمنون بها ، لأنها تأتي في سياق الجدال مع الخصم فيتأول - عند السامع - إلى نفي أفكاره . وقسم الله بهذا الكوكب كقسمه بأي شيء آخر يعطيه أهمية وشأنا في وعي الإنسان المؤمن بالذات ، ونحن على ضوء هذه الإشارة الإلهية القرآنية ينبغي أن نتحرك لفتح آفاق من المعرفة بهذا الكوكب وأهميته ، وعلاقة القسم به بما يريد بيانه القرآن في هذه الآية وسياقها . إن القمر وهكذا الليل بإدباره والصبح عند تنفسه كل هذه الظواهر الكونية تهدينا عند التفكر فيها إلى عظمة الرسالة ، وأنها فعلا لإحدى الكُبَر ، وأن أباطيل الكفار ليست صحيحة أبدا . ولعل القسم بالقمر جاء للأغراض التالية : أن الحقيقة - وجزء منها رسالة الله - قضية واقعية لا تنتفي بمجرد إنكارها ، كما أن القمر والحقائق الأخرى لا تنمحي من واقع الوجود بإنكار البعض لها . وهكذا تبقى الرسالة كالقمر المنير تفرض نفسها على ظلام الكفر أنى حاولوا إنكارها . إنها رسالة عظيمة لو وعوا حقيقتها لتذكروا بها ، وعرفوا كم هي إنذار شديد وعظيم للبشر . « وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ » قال أكثر المفسرين أن « أَدْبَرَ » بمعنى وَلَّى وذهب ، أي قسما بالليل إذ سحب
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 496 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ص 208 .