السيد محمد تقي المدرسي

35

من هدى القرآن

والعجز . وحري بالمملوك أن يخضع لمالكه المطلق ويتوجه له بالتسبيح دون سواه . وإن هذه الصفة كما صفة القدرة وغيرهما لا تدعوه سبحانه كما الملوك إلى الظلم والقهر لمن تحت سلطانه ، فكل أفعاله حميدة « وَلَهُ الْحَمْدُ » مما ينزل عليهم من نعمه ويدفع عنهم من البلاء ، فسبحان الذي لا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب . ومن تجليات حمده قدرته ، فهو ذو القدرة على كل ما يريد « وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . وهذه البصيرة ( قدرة الله على كل شيء ) هي التي ينبغي أن يتحسسها الإنسان ، لأنها محور لكثير من الحقائق والعقائد التي منها الإيمان بالآخرة ، فإن الذي لا يؤمن بقدرة الله الثابتة يصعب عليه التصديق بحقيقة البعث والجزاء . وهكذا تتصل هذه البصيرة بما يأتي من التذكرة بالبعث . وتذكير الإنسان بأن الوجود كله يسبح لله يزرع في نفسه الشعور بالشذوذ إذا ما كفر بربه وخالف رسالته ، بل ويزرع في داخله الوازع الذي يدفعه للانتظام في المسيرة الحقة الواحدة حيث العبودية لله وحده والمعرفة به . كما تهدينا هذه التذكرة إلى حقيقة أخرى هامة وهي : أن الخليقة بكينونتها والسنن الحاكمة عليها تدعم المؤمن في مسيرته ، لأنه يلتقي معها في المسيرة والهدف ، وهذا ما يجعل اتِّباع الحق سهلا ميسورا واتباع الباطل عسيرا في الدنيا والآخرة ، وبهذا المضمون جاءت بعض الأخبار التي منها قول الإمام علي عليه السلام : ومَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ ] « 1 » . [ 2 ] ويتساءل الإنسان : من أين أتيت ؟ ومن الذي خلقني ؟ والإجابة عن ذلك هي التي تحدد مبادئ الناس ومسيرتهم ، فيهتدي البعض ويضل آخرون ، والقرآن هنا يوجهنا إلى الإجابة الحق ليضعنا على الصراط المستقيم في الحياة . « هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ » وليست الصدفة ولا الشركاء المزعومين من دونه . تلك الفلسفات التي تاهت بعقول الكثيرين ولا زالت حتى اليوم تضلها . وحيث إن الله هو الخالق فإنه أهل الملك والحمد والقدرة ، ولكنك مع ذلك ترى بين الناس من يكفر به سبحانه بالرغم من تجليات أسمائه وآياته في الطبيعة وفي ضمير الإنسان وعقله « فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ » . وكما يؤكد هذا المقطع حرية الإنسان في اختيار مسيرته ومصيره فهو يبين مدى طغيان البشر الذين يكفرون بخالقهم بدل أن يشكروه على نعمة الخلق وسائر النعم . وتنسف الآية فلسفة الجبر التي تقول إن الكفر والإيمان أمر تكويني يحدده الله ، فكما يخلق الأسود والأبيض كذلك يخلق المؤمن والكافر ، كلا . . إن الخلق منه تعالى بينما الكفر والإيمان رهين اختيار الناس وإرادتهم « فَمِنْكُمْ . . وَمِنْكُمْ » . « وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » إذا فعمل الإنسان هو الذي يحدد مذهبه ومصيره عند الله

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 41 ، ص 116 .