السيد محمد تقي المدرسي

347

من هدى القرآن

في السماوات والأرض ، وأخرى فيبعثون للحساب والجزاء ، وهو كهيئة البوق . وقد اختلف المفسرون في النفخة هذه هل هي الأولى أو الثانية ، فقوَّى صاحب التبيان كونها الأولى ، وقال : قيل : إن ذلك في أول النفختين ، وهو أول الشدة الهائلة ] « 1 » ، وقيل : إنها النفخة الثانية ] « 2 » . والأقرب عندي حمل النقر على الإطلاق ، فإن كلا النفختين عسيرتان على الكافرين ، فأما الأولى فإنها تسلبهم ما في أيديهم من نعيم وحياة ، وأما الثانية فهي تبعثهم للوقوف بين يدي جبار السماوات والأرض للحساب والجزاء . ولا ريب أن النفخة التي يعقبها الحساب أعسر من الأخرى التي تُميت الناس فقط . وقد يكون التعبير مجازيًّا أيضا ، بحيث يصير النقر في الناقور كناية عن يوم الانتقام . . كما نقول قُرِعَت طبول الحرب . « فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 ) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ » فهو يوم عُسْرٍ مطلق لا يسر فيه على الكافرين ، أما المؤمنون فإنهم مخصوصون بلطف الله ورحمته ، مما يهدينا إلى أن الجزاء والانتقام الإلهي قائم على أساس الحكمة والتدبير الدقيق . ومن الآيتين مجتمعتين يتبين أن ذلك اليوم بذاته عسير جدًّا لما فيه من أحداث ومواقف عظيمة لولا أنه تعالى ييسره على المؤمنين . وحضور ذلك اليوم في وعي المؤمنين ، وبالذات الطلائع والقيادات الرسالية الذين يخوضون الصراع ، ويواجهون آلاف الضغوط والتحديات ، من شأنه أن يثبتهم على الطريقة ، ويُصبِّرهم على الأذى في جنب الله ، إذ لا يخشون الفوت فيستعجلوا ، بل هم على يقين بأن في ضمير المستقبل يوم انتصار على الأعداء وانتقام حتمي منهم للحق ، وأن السبيل لدفع عسره تَجَرُّع آلام الجهاد من أجل الحق ، والصبر لله في الحياة الدنيا . ( 16 - 11 ) وليس بالضرورة أن يتحقق هذا الوعد غدا أو بعد غد ، وليس صحيحا أن نشكك فيه لو تأخر عنا قليلا ونترك الجهاد في سبيل الله ، أو إنذار الكفار . كلا . . فإن تدبير الأمور بيد الله ذي الحكمة البالغة والعلم المحيط ، وخطأ أن يعترض أحد على تقديراته ، بل يجب أن نُسلِّم له تسليما مطلقا بأنه يفعل ما فيه الخير والصلاح وبأن له أن يمتحن عباده ويبتلي بعضهم ببعض . أما نحن فقاصرون عن إدراك حكمة كل قضاء وقدر ، فلعله لحكمةٍ ما تَرْكُ طاغية يتسلط على رقاب الناس ، ويعيث فسادًا في الأرض ، أو جَعْلُ أمر شعب من الشعوب رهن أسرة فاسدة طاغية يتوارثون الحكم والظلم . فليفعل ربنا ما يشاء مُسلِّمين بقضائه كما أمرنا بذلك وقال : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » . إن حمل أمانة الرسالة ومن ثم مسؤولية الإنذار والتغيير واجب إنساني شرعي ، مُكلَّف

--> ( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 174 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 489 .