السيد محمد تقي المدرسي

345

من هدى القرآن

وشهادة الزور وظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل . . ويدخل في الرجز الاجتماعي مجالس البطالين ورفاق السوء ، فإنهما يفسدان أخلاق المؤمن ، ويؤثران سلبا في مسيرته . جيم : وعلى الصعيد السياسي . . التعاون مع الطاغوت والحكومات الفاسدة ، والركون إلى الظالمين ، وهكذا الانتماء إلى التجمعات السياسية المنحرفة ، والخضوع للقيادات الضالة والجائرة . الرابعة : عدم المنة على الله بل الإحساس الدائم بالتقصير تجاهه « وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ » ، والمؤمن الصادق لا يُتْبِع جهاده وسعيه بالمن والاستكثار أبدا ، ذلك لأنه يَعُدُّ عمله الصالح شرفا وفَّقه الله إليه ، وأنه الذي يستفيد من العمل في سبيل الله في الدنيا والآخرة وليس العكس ، لأنه المحتاج إلى الله والفقير لرحمته ، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله تعالى : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ » [ الحجرات : 17 ] . ثم إن المؤمن إنما يعمل صالحا لينال ثواب الله ورضوانه ، والمن يبطل الأجر فلماذا يَمُنُّ على ربه ؟ قال الإمام علي عليه السلام يوصي مالك الأشتر لما ولاه مصر : وإِيَّاكَ والْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ . . . فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ ] « 1 » . ثم كيف يَمُنُّ المؤمن على ربه وهو يعلم أنه لولا فضله ورحمته لما صدر منه الإحسان ولما استطاع إليه سبيلا ؟ ! . ولكلمة « تَسْتَكْثِرُ » معنيان يهتدي إليهما المتدبر : الأول : لا تَمُنَّ على الله باستكثار عملك ، قال الرازي : ( لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما تفعله . . ونقل عن الحسن قوله : لا تمنن على ربك بحسناتك فتستكثرها ] « 2 » . الثاني : لا تَمُنَّ على الله لكي تستزيد عملا صالحا وأجرا بعد أجر ، فإن أصل المن هو القطع ، والذي يَمُنُّ على ربه عمله في سبيله فإنه لا يستزيد عملا ، والسبب أنه حينئذ يشعر بالاكتفاء والإشباع فلا يجد حاجة تدعوه إلى المزيد من السعي والاستكثار من الخير . وعلى الصعيد الاجتماعي فإن المن على الناس يدعوهم إلى النفور من الداعية ، كما أن عدمه يدعوهم للالتفاف حوله بكثرة . وما أكثر ما منع المن ولا يزال الخير والتكامل عن الكثير من الناس ! ، أما المؤمنون المخلصون والواعون فإنهم لا يمنون على الله أبدا لعلمهم أن الإنسان مهما عمل صالحا فإنه قليل بالنسبة إلى أهدافه ، وبالنسبة للجزاء الذي سوف يعطيه إياه ربه أجراً على أعماله .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : كتاب : 53 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 194 .