السيد محمد تقي المدرسي

339

من هدى القرآن

- « وَيَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ » ، « وَيَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » ، « وَقَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ( 10 ) رَسُولًا » ] « 1 » . ووقع الاختلاف في أنه صلى الله عليه وآله لم سُمِّي مدثرا ، فمنهم من أَوَّل الظاهر ، ومنهم من بقي عليه ، وتساءل : لماذا تدثر الرسول بثيابه ؟ . قال جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْراً ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جَوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي ، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَداً ، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جَبْرَئِيل - فَقُلْتُ : دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَل : « يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » ] « 2 » ، وفي الدر المنثور : فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاء عَلَى كُرسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَجِئْتُ رُعْبًا فَقُلْتُ : . . إلخ ] « 3 » . ونقل الفخر الرازي : أن نفرا من قريش آذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وهم : أبو جهل ، وأبو لهب ، وأبو سفيان ، والوليد ، والنضر بن الحرث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل فقالوا : إن محمدا لساحر ، فوقعت الضجة في الناس : إن محمدا ساحر ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك اشتد عليه ، ورجع إلى بيته محزونا ، فتدثر بثوبه ، فجاءه جبرائيل عليه السلام وأيقظه ، وقال : « يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » ] « 4 » ، وضعَّف السيوطي ذلك : في أسباب النزول ] « 5 » . ولقد سبق النقد في سورة المزمل لأسباب النزول هذه لما فيها من إشارة إلى شك أصاب الرسول في رسالته ، وضعف في الموقف قبالة ضغوط المشركين . بلى ، قد يكون النبي صلى الله عليه وآله حين نزول هذه الآيات متدثرا لأسباب عادية . ومن المفسرين من تَأَوَّل لكلمة المدثر غير ظاهرها فقال : إن المراد كونه متدثرا بدثار النبوة والرسالة ، من قولهم ألبسه الله لباس التقوى ، وزيَّنه برداء العلم ، ويقال : تَلَبَّس فلان بكذا ] « 6 » ، وقد نقل العلامة الطباطبائي هذا الرأي في تفسيره وقوَّاه ، وقيل : المراد به الاستراحة والفراغ ، فكأنه قيل له : يا أيها المستريح الفارغ قد انقضى زمن الراحة ، وأقبل زمن متاعب التكاليف وهداية الناس ] « 7 » ، وهو بعيد عما نعرفه من خُلُق الرسول الذي ما كان ليستريح ولا يني يجاهد لإعلاء كلمة الله قبل وبعد البعثة .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : 16 ، ص 101 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 166 . ( 3 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 280 . ( 4 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 190 . ( 5 ) أسباب النزول : ص 223 . ( 6 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 190 . ( 7 ) تفسير الميزان : ج 20 ص 80 - 79 .