السيد محمد تقي المدرسي

328

من هدى القرآن

خفف الحكم بنسبة واحد إلى اثنين « 1 » ، ومثل ذلك أحكام عديدة والتي من بينها قيام الليل الذي نحن بصدد الكلام عنه . إن هذه الظاهرة في التشريع الإسلامي تهدينا إلى أن إصلاح الإنسان - وبالذات في الانطلاقة - بحاجة إلى برنامج مركَّز وصعب حتى يصلح نفسه إصلاحا جذريًّا ، كما المقاتل في دورته العسكرية الأولى ، فإذا ما استمر قطاره على السكة يُخَفَّف عنه ، وهذه منهجية الإسلام في بناء أفراده ومجتمعه ، وإذا صح هذا التحليل فإننا يجب أن نستفيد من ذلك في حياتنا ومسيرتنا ، ففي بداية التغيير ينبغي أن تؤخذ الأمة بالشدة حتى تذوب في بوتقة الإيمان والعمل الرسالي ، ثم يأتي دور التخفيف عنها شيئا ما . ويلفتنا القرآن إلى خصيصة تشريعية في الإسلام وهي واقعيته ، وأخذه ظروف المشرَّع له بعين الاعتبار ، فهو ليس نظامًا قسريًا ، بل تشريعًا واقعيًّا مرنًا ، وذلك مما يؤكد حقانيته . « عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى » يعيقهم مرضهم عن القيام ، أو يجعله أمرا مكلفا . وهذه كناية عن المعوقات البدنية التي تصيب الإنسان بالضعف ، « وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ » طلبا للرزق . والضرب في الأرض كناية عن التنقل والترحل والسعي الحثيث ، وعلل الرازي تخفيف الفرض على هذا الفريق ومن يلونهم ( المقاتلين في سبيل الله ) قائلا : وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة ، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ] « 2 » . « وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » إعلاء لكلمته ، وإنفاذا لأمره ، وتحكيما لشرعه ، ودفاعا عن ثغور المسلمين ، وهؤلاء لا شك لهم من الأجر الشيء العظيم ، ولعمري إن جهادهم بمثابة قيام الليل أجرا وقدرا عند الله ؛ لأنهم لولا جهادهم وقتالهم لكان الأمر كما حكى الله تعالى : « لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً » [ الحج : 40 ] . قال الفخر الرازي : ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سَوَّى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال ] « 3 » ، وهذا يؤيد قول رسول الله صلى الله عليه وآله : أَيَّما رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إِلَى مَدِيْنَةٍ مِنْ مَدَائِنِ المُسْلِمِينَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَبَاعَهُ بِسِعُرِ يَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ الله مِنَ الشُهَدَاءِ ] « 4 » ، وهو تأكيد لقول الإمام الصادق عليه السلام : الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله ] « 5 » ، ويؤكد الله مرة أخرى أمره بتلاوة القرآن . « فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ » ولو بضع آيات ، المهم

--> ( 1 ) الأنفال : 66 - 65 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 187 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 187 . ( 4 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 187 . ( 5 ) الكافي : ج 5 ، ص 88 .