السيد محمد تقي المدرسي

322

من هدى القرآن

أيضا ، وتضطرب بمن عليها ] « 1 » ، من هول ذلك اليوم ، الأمر الذي يكشف عن عظمة الموقف ومدى رهبته ، فما بالك بهذا الإنسان الضعيف في يوم أحداثه ترجف بالأرض والجبال ؟ ! إنه يكون أدنى من ريشة في ريح عاصف يتقاذفها التيار الكاسح . إن تصور هذا الموقف والحضور عند هذه الحقيقة بالقلب يكفي وسيلة يقتلع الإنسان بها جذور الغرور بنفسه وقدرته في شخصيته ، واتكاله على الدنيا وما فيها ، ويتعرف عن طريقها على ربه وقدرته المطلقة ، فيؤمن به وبرسالته بدل التكذيب كما هو شأن أولي النعمة المبطرين بها . إن الجبال الراسية والمتماسكة تستحيل يومئذ كذرات الرمل نتيجة الرجف الشديد المتتالي الذي تتعرض له « وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلًا » قال القمي : مثل الرمل ] « 2 » ، وفي مجمع البيان : أي رملًا سائلًا متناثراً عن ابن عباس ، وقيل : المهيل الذي إذا وطأته القدم زَلَّ من تحتها ، وإذا أخذت أسفله انهار أعلاه ] « 3 » ، وفي اللغة : انكثب الرمل : اجتمع وانتشر بعضه فوق بعض ] ، وكل ما انصب في شيء فقد انكث فيه ، والمهيل الذي يهال فيقع بعضه على بعض ، يقال : أهال التراب : إذا هَدَّه من أساسه فانهار على بعضه منتثرا ، ويسمى التراب الناعم الذي تجمعه الرياح في الصحراء كثيبًا ، وجمعه كُثبان ، ومن خصائصه أنه سريع وسهل الانهيار والانتشار والتطاير في الهواء . وإذا كانت الجبال الصخرية الراسية تستحيل كثيبا مهيلا فما بال الإنسان الضعيف عندما ترجف به الأرض ؟ ولماذا يتحدى قدرة ربه ؟ ! . والعلاقة بين سياق السورة عن قيام الليل وبين الحديث عن مشاهد عذاب الآخرة هذه أن الخوف من أهوال ذلك اليوم يدفع المؤمنين إلى السعي من أجل الخلاص ، ومن ثم ينفخ فيهم روح القيام بالليل . وإنها حقًّا لَتَقُضُّ مضجع كل ذي لب وضمير حيين ، إذ كيف تنام عينه وهو مطالب باقتحام هذه العقبات ، وتجاوز أهوالها بنجاح ؟ ! . وثمة علاقة بين أمر الله للرسول صلى الله عليه وآله بالصبر على ما يقوله المكذبون وبين كلامه عما أعد لهم من العذاب ؛ وهي : أن عدم التصبر ( الاستعجال ) إنما يندفع إليه الإنسان بهدف الانتقام ورد الفعل ، والمؤمن يصبر ولا يتعجل لأنه لا يخاف الفوت ، ويعلم أن سوف يأتي اليوم الذي ينتقم الله ( وكيله ) له من أعدائه . ( 19 - 15 ) وإلى جانب التحذير من عذاب الآخرة يحذر الله المترفين وغيرهم من عواقب التكذيب التي تنتظرهم في الدنيا ، وذلك من خلال التذكير بالسنن الثابتة في الحياة ومصير

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 482 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 392 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 482 .