السيد محمد تقي المدرسي
320
من هدى القرآن
وطريقتها وأرضها ، ومن هنا فإن الصبر لا يعني عدم اتخاذ الخطوات اللازمة تجاه تحديات الأعداء ، بل يعني الانتظار حتى تحين الفرصة المناسبة حسب الخطة المرسومة ، وكل ذلك يوفره قيام الليل والتوكل على الله . والتعبير القرآني دقيق للغاية حيث قال تعالى : « وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ » أي أن ما يقوله الآخرون لا ينبغي أن يزلزل الرساليين عن مواقفهم الصحيحة إلى غيرها ، فقد يصعد المستكبرون والمترفون حربهم الإعلامية ضد قيمة من القيم الإلهية كالحجاب على أساس أنه لون من ألوان الكبت ، وهكذا الجهاد من أجل التحرر والاستقلال . . فيجب على الرساليين أن يصبروا ويتجرعوا كلمات الشتم والتجريح ، وضغط الإعلام ، لا أن يتنازلوا عن قيمهم ويداهنوا فيها . وقد نستوحي من الهجر الجميل أنه القائم على أساس العدل والحكمة ، فلا ينبغي أن يهجر المؤمن طرفا هجرا كاسحا ، فيبخس الناس أشياءهم ، ولا يعترف لهم بأية إيجابية ، أو يقطع صلته معهم إلى حد يحرم نفسه من إيجابياتهم . . وبتعبير آخر : ينبغي أن ننصف الناس - حتى أعداءنا - من أنفسنا ، فلا تصحب المقاطعة والهجر عملية إسقاط للآخرين بعيدة عن حدود الله وشرائعه . [ 11 ] ويستلهم المؤمنون روح الصبر من أمرين هما : التوكل على الله ، والإيمان بأنه سوف يجازي أعداءهم شر مجازاة ، فلماذا الاستعجال وعدم الصبر ما دام الفوت غير ممكن ؟ ! بلى ؛ قد لا يعاصر جيل من المؤمنين انتقام الله من أعدائهم وأعداء الرسالة ، وقد لا ينتقم منهم في الدنيا ، ولكن الأمر واقع لا محالة إن فيها أو في الآخرة ، حيث عذاب الخزي الذي يلحق بالمترفين والمستكبرين المكذبين بالرسالة « وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا » أي المترفين الذين يعارضون الرسالة ، ويكذبون بآيات الله . وكلمة « وَذَرْنِي » تفيد التهديد والوعيد ، كما تشير إلى معنى التوكل على الله نعم الوكيل ، حيث ينبغي للمؤمن وهو يصبر على ما يقوله الأعداء أن يطمئن اطمئنانا تاما بأن صبره لن يذهب هباء ، لأن المتوكل عليه سوف ينتقم له وللحق منهم . ولعل ذكر تنعمهم يهدينا إلى أن العذاب الذي سيحل بهم يشمل تغيير ما هم عليه من النعيم ، وإلى ذلك أشار صاحب الميزان فقال : والجمع بين توصيفهم بالمكذبين وتوصيفهم بأولي النعمة للإشارة إلى علة ما يهددهم به من العذاب ، فإن تكذيبهم بالدعوة الإلهية وهم متنعمون بنعمة ربهم كفران منهم بالنعمة ، وجزاء الكفران سلب النعمة ، وتبديلها بالنقمة ] « 1 » . ومهما استطال شوط الصبر في تصور المؤمنين ، وامتد ترف المكذبين ونعيمهم ، إلا أنه
--> ( 1 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 67 .