السيد محمد تقي المدرسي
314
من هدى القرآن
لم يتهيأ له ذلك إلا بِحِمْلٍ شديد على النفس ، ومجاهدة الشيطان ، فهو أمر يثقل على العبد ] « 1 » ، وذهب البعض إلى تفسير مادي لمعنى الثقيل مستدلا بمرويات غير محققة كقول عائشة : إنه كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على راحلته فتضرب بجرانها ] « 2 » ( أي تضرب بمقدم عنقها إلى مذبحها الأرض ) وفي رواية : كانت تبرك الدابة على الأرض من ثقل الوحي ] . وأخرى : ولقد رأيته ينزل في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه لَيَرْفَضُّ عرقا ] « 3 » . والذي أختاره : أن الثقل هو الثقل المعنوي قبل أن يكون الثقل المادي ، وإذا صحت الروايات المتقدمة حول ما يتركه نزول الوحي من أثر مادي على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى دابته من باب « لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » [ الحشر : 20 ] فإنهامظاهر ودلالات على الآثار والحقائق المعنوية ليس إلا . ولا ريب أن القرآن قول ثقيل باعتباره يحمل الإنسان مسؤوليات عظيمة كمسؤولية الاستقلال والتغيير والتزكية وتحدي الباطل ، ولذلك فالإنسان بحاجة إلى قيام الليل ليسمو إلى احتماله ، وهكذا تجد السياق يبين الصلة بين ثقل القرآن وبين قيام الليل ، فيبين أن الصلاة والتهجد والحالة النفسية المنبعثة منها إذا نشأ كل ذلك بالليل كان أفضل منه إذا نشأ بالنهار . « إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ » والناشئة في اللغة من نشأ الليل أي أحدثه ، والله : خلقه ، والحديث أو الكلام : وضعه وابتدأه ، وسُمِّيت ساعات أول الليل ناشئة لابتداء الليل بها ، وعندنا : ما ينشأ بالليل من عبادة روحانية أو بصيرة عقلانية أو حكمة ربانية . أما المفسرون فذهبوا إلى قولين : الأول : أنها ركعتان بعد صلاة المغرب ( لعلها الغفيلة ، وقيل غير ذلك ) « 4 » . الثاني : أنها قيام الليل ، ففي مجمع البيان عن الباقر والصادق عليهما السلام : هِيَ الْقِيَامُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْل ] « 5 » ، وهو الأقرب إلى سياق السورة كما سبق . « هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً » وشدة الوطء بمعنى ثبات القدم الذي يعكسه ثقل الوطأة وشدتها ، فالوطأة الشديدة على الأرض أثبت للقدم ، قال قتادة : أثبت في الخير ] « 6 » ، وقال الفَرَّاء : أشد
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن القرطبي : ج 19 ، ص 38 . ( 2 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 447 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 447 . ( 4 ) المصدر السابق : ص 448 . ( 5 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 379 ( 6 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 278 .