السيد محمد تقي المدرسي
312
من هدى القرآن
- 2 ثم إن وضع المكلف أمام خيارات متعددة تختلف في ثقلها على النفس وفضلها عند الله ، لا فرق بين درجة التكليف هل هي الوجوب أو الندب والاستحباب ، يكشف عن مدى إيمانه وإرادته حين يختار بنفسه أيها شاء ، وفي ذلك نوع من الامتحان الإلهي للمؤمنين . - 3 كما نهتدي من ذلك بالنسبة لغير النبي صلى الله عليه وآله إلى استحباب قيام الليل لا وجوبه شرعًا ، وقد اعتبر الفقهاء الاختلاف في النصوص ضيقا وسعة ، وكثرة وقلة ، دليلا على الاستحباب ، وذلك أن الفرض الواجب يكون محددا . وقيام الليل - كما تقدمت الإشارة - لا ينحصر في عدد من الركعات والأذكار وحسب ، بل هو برنامج متكامل للجسم والروح والعقل ، وذلك بما يتضمنه من صلاة ومناجاة وتلاوة للقرآن ، يعرج من خلالها القائمون بالليل إلى آفاق الإيمان والمعرفة ، وبالذات منها ترتيل القرآن الذي يحقق تسامى الروح وانفتاح العقل معا ، مما يسبب في آن واحد عروج الإنسان إلى مراتب الكمال . وإن قراءة القرآن وتدبر معانيه روح قيام الليل ، فهو عهد الله للإنسان ، وحبله الممدود من السماء إلى الأرض ، ونهجه الذي يداوي به أدواءه ويصل إلى السعادة عبره ، فمنه يستمد روح التوحيد والتوكيل والصبر ، ومن آياته يستلهم بصائر الهدى والحق في كل ميدان من الحياة ، لينطلق بالنهار على هدى من ربه ، وبين يديه بلسم لكل داء ، وحل لكل مشكلة ، ورؤية صائبة في كل قضية وحركة في الحياة ، فردية أو اجتماعية ، وفي أي حقل من حقولها . بلى ، إن قراءة القرآن بذاتها بركة وحسنة عظيمة ، ولكن هدف القرآن أعظم من مجرد التبرك ، بل إن خيره الأكبر لا يحصل إلا باستثارة العقل به ، وتدبر معانيه . أولم تسمع قول الله عز وجل : « كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ » [ ص : 29 ] ؟ . والتدبر فيه ليس لمجرد الفهم وإنما للعمل والتطبيق أيضا ، ولهذا يربط القرآن نفسه بين ترتيله بالليل والسبح الطويل بالنهار . ولأن القراءة بذاتها ليست هدفا يأمرنا الله بقراءة آياته على وجه مخصوص هو الترتيل . « وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا » والترتيل هي القراءة الحسنة والمتأنية المصحوبة بالتفكر والتدبر ، فعن عبد الله بن سليمان قال : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ : « وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا » قَالَ : قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : بَيِّنْهُ تِبْيَاناً ولَا تَهُذَّهُ هَذَّ الشِّعْرِ ولَا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمْلِ ، ولَكِنْ أَفْزِعُوا قُلُوبَكُمُ الْقَاسِيَةَ ولَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ ] « 1 » . وقال الإمام الصادق عليه السلام : إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يُقْرَأُ هَذْرَمَةً ، ( بسرعة ) وَلَكِنْ يُرَتَّلُ تَرْتِيلًا ، فَإِذَا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ فَقِفْ عِنْدَهَا وسَلِ الله عَزَّ وجَلَّ الْجَنَّةَ ، وإِذَا مَرَرْتَ بِآيَةٍ فِيهَا
--> ( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 614 .