السيد محمد تقي المدرسي
300
من هدى القرآن
« قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً » وإنما ترك الرسول الإجابة عن ذلك بالكيفية التي يريدها المجادلون اتباعا للمصلحة الحكيمة ، ولأن علم الساعة مما يختص به الله وله فيه البداء ، فقد يكون موعدها قريبا ، وقد يُعطي الله للناس فرصة لمراجعة الذات بتمديد أجلها لعلهم يتذكرون ويتوبون . والآية إشارة إلى فكرة البداء من حيث إنه تعالى مختار في تحديد وقت الساعة متى شاء ، فقد يكون لها في علمه - التقدير - زمن معين ثم يبدو له فيجعل لها أجلا آخر قريبا أو بعيدا . وكفى بجهل الإنس والجن بميقات الساعة وبالمستقبل دليلا على قصورهم عن علم الغيب ، وانحصار معرفته برب العالمين ، وذلك مما يميز الخالق عن المخلوق . « عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً » وهذه الآية تنفي المزاعم والأباطيل حول علم الجن والكهان بالغيب . بلى ؛ قد يُظهر الله بعض أوليائه من الرسل على ما يريد من علم الغيب ، وهم بدورهم يحفظون سره تعالى ، إذ يعلم أين يضع رسالته ، ومن يختار لأمانته ، ومع ذلك يحفظهم تماما كما حفظ السماء من استراق السمع . « إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ » فلا أحد يفرض على ربنا أن يظهره على غيبه ، إنما هو الذي يتفضل برضاه وحكمته على من يشاء فيطلعه على بعض الغيب ومع ذلك لا يدع غيبه يتسرب من مخازنه إلى من لا يستحقه . « فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » يحفظونه ويسددون خطاه ، ويراقبون حركاته وتصرفاته ، برصد ما يصدر منه في الحاضر والمستقبل « بَيْنِ يَدَيْهِ » وما صدر عنه في الماضي « وَمِنْ خَلْفِهِ » . وكيف يطلع المنجمون والسحرة والكهان على الغيب وهم مغضوب عليهم عند الله ؟ ! أم كيف تصل معرفة الشياطين به وهم أعداؤه الذين أعد لهم الحرس الشديد والشهب حربا عليهم ؟ ! . وفي هذا جاءت أحاديث أئمة الهدى على النحو التالي : قال الإمام الباقر عليه السلام لحمران : فَإِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ عَالِمٌ بِمَا غَابَ عَنْ خَلْقِهِ فِيمَا يَقْدِرُ مِنْ شَيْءٍ ويَقْضِيهِ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ وقَبْلَ أَنْ يُفْضِيَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، فَذَلِكَ يَا حُمْرَانُ عِلْمٌ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ إِلَيْهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ فَيَقْضِيهِ إِذَا أَرَادَ ويَبْدُو لَهُ فِيهِ فَلَا يُمْضِيهِ ، فَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي يُقَدِّرُهُ الله عَزَّ وجَلَّ فَيَقْضِيهِ ويُمْضِيهِ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله ثُمَّ إِلَيْنَا ] « 1 » ، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : إِنَّ لِله عَزَّ وجَلَّ عِلْمَيْنِ عِلْماً عِنْدَهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ وعِلْماً نَبَذَهُ إِلَى مَلَائِكَتِهِ ورُسُلِهِ ، فَمَا نَبَذَهُ إِلَى مَلَائِكَتِهِ ورُسُلِهِ فَقَدِ انْتَهَى إِلَيْنَا ] « 2 » .
--> ( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 256 . ( 2 ) الكافي : ج 1 ، ص 255 .