السيد محمد تقي المدرسي
293
من هدى القرآن
لا يراه أحد . الثالثة : أنه مخلوق من التراب وهذه المدرة من التراب وهو يقول : أن الجنس لا يتعذب بجنسه ، فكيف يتألم من المدرة ؟ فأعجب الخليفة كلامه ، وتخلص من شجة الخطيب ] « 1 » . [ 16 - 17 ] ويستثير الواحد إنسيًّا أو جنيًّا فكره بحثا عن الأسباب التي أدت إلى انحطاط حضارته ، وتخلفه عن ركب التقدم ، فلا يجد مهما أنعم الفكر والنظر سوى إجابة واحدة هي الانحراف عن النهج السليم والتفرق بالسبل الملتوية ، وبتعبير القرآن : الانحراف عن الطريقة لأنها وحدها التي تأخذ الإنسان إلى السعادة « وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً » أي كثيرا فراتا . فما هي تلك الطريقة ؟ . إن تعريف القرآن لها بألف ولام العهد والجنس يهدينا إلى أنها طريقة معينة للإنس والجن ، وليس سواها طريقة حتى يستريب فيها ذهن السامع أو ينصرف عنها . ولقد كثرت الأقوال في بيان المقصود بالطريقة إلا أن أقربها - كما يبدو لي - الحق المتمثل في : 1 - الفطرة التي أركزها الله في خلقه ، حيث الإيمان والتسليم للحق . . فإن الاستقامة عليها هي السبيل إلى كل خير وسعادة . 2 - خط الرسالات الإلهية والأنبياء ، قال العلامة الطبرسي : لو استقاموا على طريقة الهدى بدلالة قوله : « وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ » [ المائدة : 66 ] « 2 » ، ونظيره قوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ » [ الأعراف : 96 ] ، وقوله : « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » [ الطلاق : 2 ] ، وقوله : « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ . . . يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً » [ نوح : 11 - 10 ] « 3 » . والفطرة والرسالات مع الأنبياء يكمل وأحدهما الآخر في هداية الإنسان إلى الطريقة السليمة ويثبتانه عليها لو اتبعهما ، وهي - أي الطريقة - واضحة عند كل مكلف بالاستقامة عليها ، إلا أن القليل هم الذين يلتزمون بها كما يريد الله ، ويستقيمون عليها حتى النهاية رغم المصاعب والعقبات . بلى ؛ إن النتائج الحضارية للرسالة قد لا تظهر في اللحظة الأولى التي يقرر المجتمع فيها الالتزام بقيمها والاستقامة عليها ، لأن القيم الرسالية تشبه إلى حد بعيد البذرة
--> ( 1 ) شجرة طوبى : ج 1 ، ص 49 . ( 2 ) راجع مجمع البيان : ج 10 ، ص 471 . ( 3 ) راجع : التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 161 .