السيد محمد تقي المدرسي
270
من هدى القرآن
تشريعيًّا وتكوينيًّا مما يؤدي به إلى الهلاك ، وهذه الحقيقة تنطبق بصورة أجلى على الإنسان ( المجتمع ) منها على الإنسان ( الفرد ) ومن هنا نفهم الآية الكريمة : « وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ » [ البقرة : 251 ] ، وكذلك الروايات التي تقول : إِنَّ الله لَيَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ الْوَاحِدِ عَنِ الْقَرْيَةِ الْفَنَاءَ ] « 1 » لأنه لولا وجود المؤمنين من الناس لما بقي مبرر لوجود الآخرين . [ 27 ] ثم يبين شيخ المرسلين الخلفيات والحيثيات وراء دعوته على قومه ، فهو لم يدعُ عليهم لأنه مَلَّ وتعب من الجهاد في سبيل الله ، ولا لأنه يحمل العداء الشخصي ضدهم لما لقيه من الأذى والمعاناة على أيديهم ، إنما كان منطلقه في ذلك رساليًّا خالصا لوجه ربه . « إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ » الموجودين ، فيزيدون الضالين ضلالة ، ويؤثرون على من آمن ليعود كافرا مشركا مثلهم ، وفي هذه الآية يجب أن نقرأ مدى الضغط الذي يواجهه المؤمنون حينما يستقلون برأيهم ومسيرتهم عن مجتمع الضلال والفساد . . إنه يبلغ حدًّا يُخشى عليهم من الانحراف بسببه ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر إنه لا يُرتجى خير ولا مستقبل سليم للأجيال التي تنسل منهم ، باعتبارهم قد أحكموا أساليبهم التربوية السيئة التي من شأنها بناء شخصية الأولاد على أساس الباطل والعداء للقيادة الرسالية ولخط المؤمنين « وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً » بالوراثة وبالتربية ، والفاجر هو من لا يقف عند حد شرع أو عرف ، ولا يقيم وزنا لقيمة لا في نفسه ولا في المجتمع ، إنما يطلق لشهواته العنان ، والكَفَّار صيغة مبالغة من الكفر وهو خلاف الإيمان ، والكفور خلاف الشكر . ولقد انتهى نوح إلى هذه النتيجة بتجربته المرة الطويلة التي عاصر فيها ثلاثة أجيال على الأقل وخبرهم بتمام المعرفة ، وكذلك بإخبار الله له ، قال الراوي : قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام : ما كان علم نوح حين دعا على قومه أنهم « وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً » فقال : أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الله لِنُوحٍ : « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » ] « 2 » . وقد ذهب أغلب المفسرين إلى القول : بأن الله تعالى أخرج من أصلابهم كل من يكون مؤمنا ، وأعقم أرحام نسائهم ، وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة ] « 3 » . والآية تبين أن الإنسان قد يرحمه الله ليس لذاته بل لآخرين يتعلقون به كالأولاد . [ 28 ] وختاما لهذه السورة المتضمنة للحديث عن المعاناة الصعبة ، ودعاء شيخ المرسلين
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 64 ، ص 143 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 388 ، بحار الأنوار : ج 11 ، ص 315 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 462 .