السيد محمد تقي المدرسي
266
من هدى القرآن
الثانية : أن التعبير في الآية اللاحقة ( جعل القمر نورا ) فيها كلها ، في حين أطلق سراجية الشمس ، لأن دور القمر محدود في آفاق الأرض فقط ، في حين أن دور الشمس يشمل كواكب وآفاقا أخرى فكلمة « فِيهِنَّ » إذن إشارة إلى سماوات الأقاليم وليست السماوات التي بعضها فوق بعض حسب الظاهر ، إذ القمر في واحدة منهن وليس فيهن جميعا . « وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً » وبهذه الآية كشف القرآن للبشرية جانبا من أسرار الكون في وقت كانت تحلم بالتطلع إلى معرفة طبيعة الأرض فكيف بالأجرام التي حولها كالقمر والشمس ؟ . إن القمر يختلف عن الشمس في خلقته ودوره ، فبينما خلقت من كتل النيران حتى توفر الطاقة الحرارية ، والإضاءة فيها ذاتية ، نجد القمر كالمرآة التي تعكس أشعة الضوء الساقطة من الشمس ، وكما أنه تعالى لم يترك الأرض والسماء تكوينيًّا مظلمتين من دون نور وسراج ، كذلك لن يدع المجتمع البشري من دون إمام ونهج يهتدى بضوئه ، فلا غرابة إذن أن نجد بعض الروايات تُؤوِّل القمر والشمس في أئمة الهدى عليهم السلام وكل إمام حق . . قال أبو ذر عليه السلام : إِنَّ أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ فِيْنَا كَالقَمَرِ السَّارِي ] « 1 » . « وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً » قال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي : فالإنبات إخراج النبات من الأرض حالا بعد حال ، والنبات هو الخارج بالنوى حالا بعد حال ، والتقدير في « أَنْبَتَكُمْ نَبَاتاً » أي فنبتم نباتا ، لأن ( أنبت ) يدل على نبت من جهة أنه متضمن له ] « 2 » . وعلَّق صاحب المجمع فقال : يعني مبدأ خلق آدم ، وآدم من الأرض والناس ولده ، وهذا كقوله : « وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءً » [ النساء : 1 ] وقيل : أنبت جميع الخلق باغتذاء ما تنبته الأرض ، وقيل معناه : أنبتكم من الأرض بالكبر بعد الصغر ، وبالطول بعد القصر ] « 3 » . فالإنسان إذن ابن الأرض ، لا فرق بين آدم وبين كل فرد فرد من أبنائه ، فمع أنه عليه السلام خُلِق مباشرة من التراب إلا أننا عند التحليل العلمي الواقعي نهتدي إلى أن كل ذرات الجسم أصلها الأرض . « ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا » كما أنبتكم منها حيث يذوب البدن بالموت وتتحلل أعضاؤه في التراب . « وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً » بالبعث والنشور ، وإننا نعرف أن هناك تشابها بين الإنسان والنبات في أطواره ، حتى في الإخراج من الأرض التي تصير يوم البعث كما رحم الأم يمطرها الله أربعين صباحا ، فإذا بك ترى الأرض تنشق عن الناس سراعا .
--> ( 1 ) تفسير البرهان : ج 4 ، ص 270 . ( 2 ) التبيان : ج 10 ، ص 138 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 460 .