السيد محمد تقي المدرسي
264
من هدى القرآن
والأولاد بعوامل غيبية مجردة ، إنما تحدث البركة وتكون الحضارة بعاملين ( سعي الإنسان الذي قمته ورمزه الاستغفار + بركة الله وفضله ) . وينبغي للمتأمل أن يقرأ في ثنايا دعوة نوح عليه السلام حينما قال : « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ » كل عوامل التقدم والترقي من سعي وإتقان وجد . . أوليس الاستغفار غاية سعي الإنسان نحو الفضيلة والكرامة ؟ ! ، أوليس يعني تجنب الأخطاء ، والسير على المنهج القويم ؟ ، وكما أن الاستغفار يجلب الخير والتقدم للأمم فإن الذنوب تسلبهما ، وتصير بها إلى الشر والتخلف . ويبدو من سياق الآيات ومن الأحاديث : أن قوم نوح عليه السلام أصيبوا بنقص في الأموال والأنفس والثمرات ، بل نضب ماؤهم ، فجاءت دعوة النبي نوح عليه السلام بهدف إصلاح مسيرتهم وانتشالهم من حضيض هذه المشاكل إلى آفاق البركة والرفاه ، قال العلامة الطباطبائي معلقا على هذا السياق : أي أن هناك ارتباطا بين صلاح المجتمع الإنساني وفساده وبين الأوضاع العامة الكونية المربوطة بالحياة الإنسانية ، وطيب عيشه ونكده ] « 1 » . وإلى ذلك أشار الفخر الرازي مستدلًا بقول الله : « ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ » [ الروم : 41 ] وبقوله تعالى : « وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ » [ الشورى : 30 ] . [ 13 - 14 ] ويخاطب نوح قومه بلغة الوجدان ، مذكِّرا بنعم الله وآياته لعلهم يعودون إلى فطرتهم ، فيعبدوا الله ويتقوه ، ويطيعوه بدل الطاعة للمترفين . « مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً » قال ابن عباس : الوقار هو الثبات ، من وقر إذا ثبت واستقر ، ومنه قوله : « وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ » [ الأحزاب : 33 ] ووقاره تعالى ثبوته واستقراره في الربوبية ، المستتبع لإلوهيته ومعبوديته ] « 2 » . وقيل : المعنى ما لكم لا توحدون الله تعالى ؛ لأن من عظَّمه فقد وحَّده ، وعن الحسن : ما لكم لا تعرفون لله حقًّا ، ولا تشكرون له نعمة ] « 3 » . وقد ذهب أكثر المفسرين إلى القول بالعظمة . ويبدو أننا نهتدي إلى معنى الآية لو قارناها بقول الله : « وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » [ الأنعام : 91 ] ، فإن توقير الله بحق هو معرفة قدره بمعرفة أسمائه وصفاته الحسنى ، والعيش في الحياة على ضوء هذه المعرفة ، وذلك لا يمكن إلا بعبادته وتقواه واتباع رسله ورسالاته . وتكشف لنا الآية عن مدى الضلال المتورط فيه أولئك القوم ، ونستوحي ذلك من كلمة « لا تَرْجُونَ » إذ تبين أنهم ليسوا لا يوقرون في أنفسهم ربهم وحسب ، بل لا يرجون أن يوقره الآخرون ، ولا أن يأتي يوم يوقرونه في أنفسهم ، فليس ثمة ولا بصيص نور في
--> ( 1 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 30 . ( 2 ) تفسير البصائر : ج 49 ، ص 201 . ( 3 ) راجع تفسير البصائر : ج 49 ، فقد أورد ( 15 ) رأياً في الآية .