السيد محمد تقي المدرسي

243

من هدى القرآن

الصلاة المتعارفة ) ، وقد قدم الله تلك الصفات للتأكيد أنها الجوهر والأهم في الصلاة ، لأنها المحتوى والصلاة إطارها ، وهي القيم والصلاة مقامها ، وهي النور والصلاة مشكاتها ، وينبغي لكل مقبل على الصلاة أن يضعها نصب عينيه قبلها وبعد أدائها ، ويسعى للالتزام بها إلى جانب التزامه بمظاهر الصلاة . قال صاحب المجمع : أي يحفظون أوقاتها وأركانها فيؤدونها بتمامها ، ولا يضيعون شيئا منها ] « 1 » ، وقال الرازي : ومحافظتهم عليها ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى يُؤتى بها على أكمل الوجوه ] « 2 » . ولا يمكن لأحد أن يحفظ صلاته من الفساد حتى يلتزم بشروطها فلا يقتحم الفواحش والمنكرات ، لأنها تبطل أجرها ، وتمنع قبول الله لها من أحد . ما هو أجر المصلين الحقيقيين الذين تقدمت صفاتهم ؟ يقول ربنا : « أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ » كرامة حقيقية تتمثل في القرب من الله ، وكرامة ظاهرة في نعيم الجنات ، وفي هذه الآية تسكين لروعتهم من العذاب ، وتأمينٍ لهم بأنه بعيد عنهم . وجزاؤهم هذا نقيض جزاء الكافرين الذين تخشع أبصارهم ، وترهقهم ذلة وإهانة . وفي نهاية سردنا لصفات المصلين في مفهوم القرآن نسجل هاتين الفكرتين : 1 - أن التعبير يكون صحيحاً لو قال الله عند كل صفة « وَالَّذِينَ » من غير إلحاق للضمير المنفصل « هُمْ » بالكلام ، ولكنه أثبته تعالى لغرض التأكيد أولا ، ولبيان أن صفاتهم ليست عرضية ، بل هي سجايا وملكات دافعهم إليها مرتكز في أنفسهم ، لا اتباعا لهوى أحد أو استرسالا مع ظرف محدد . 2 - إن بيان تعريف المصلين بهذه الصفات يعطينا مقياسا لتقييم أنفسنا ، وميزانا لمعرفة الناس من حولنا ، فما أكثر من يصلي ولكنه لا يقيم الصلاة ، فيكون له الويل واللعنة ، لا كرامة الله والجنة . [ 36 ] ومن بيان صفات المصلين التي هي ثمن الكرامة في الجنات ينعطف السياق القرآني لانتقاد موقف الكافرين الذين يطمعون في دخول الجنة ، ويتمنونها نصيبا ومصيرا من غير سعي واجتهاد ، مؤكدا أنها منهجية خاطئة ، لأنها تقوم على التمنيات ، ولأنها لا تقود إلا إلى الخوض واللعب في الدنيا ، والخسران المبين في الآخرة . « فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ » قيل : أذلاء ] « 3 » ، وقيل : من ينظر في ذل وخضوع لا

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 451 . ( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 645 . ( 3 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 238 .