السيد محمد تقي المدرسي
227
من هدى القرآن
ولا يحدثنا القرآن عن صفة الأرض يومئذ ، لأن دمار السماء وهي السقف المحفوظ الذي يُؤَمِّن للأرض ولأهلها الحماية ، وكذلك تدمير الجبال التي تحفظ توازنها أن تميد بنا ، هذين الأمرين يهدياننا إلى ما تكون فيه أرضنا يومئذ من الزلزال والخطر العظيم . وما هو حال الإنسان الضعيف وموقفه حينما يعاصر هذه المشاهد الرهيبة ؟ فهذه السماء على عظمتها أصبحت كالمهل ذائبة ، وتلك هي الجبال الراسيات صارت عِهْنًا يحركها النسيم ! إنه حينئذ يعرف صدق وعد الله ، وتقع من على بصيرته كل الحجب . . فيترك الهزل والاستهزاء الذي قاد الكافرين إلى السؤال عن العذاب واستعجاله . . وهل يستعجل عاقل أمرا إرهاصاته تصنع هذا الصنيع بالطبيعة والوجود من حوله ؟ ! . إن العذاب الإلهي إذا وقع يذهل الإنسان عن كل شيء ، وتتقطع به الأسباب والروابط ، فينسى أقرب المقربين إليه بحثا عن الخلاص ، فلا يجد فرصة حتى للسؤال عنهم « وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً » والحميم هو الأقرب للإنسان ، وعدم سؤاله عنه دليل على شدة الموقف ، وذلك أن نفس الإنسان أقرب إليه من كل أحد . . وحيث يهتم بها يغفل عن سواها ولو كان أقرب المقربين كالولد والصاحبة . وفي الروايات أن الأم يوم القيامة توزن أعمالها فتنقصها الحسنة الواحدة حتى تدخل الجنة أو تصير إلى النار ، فتذهب إلى ولدها تستعطفه وتطلب منه التنازل لها عن حسنة من حسناته فلا يقبل . وقد جاء في الدعاء ( بعد صلاة الليل ) : يَا مَنْ لَمْ أَزَلْ أَتَعَرَّفُ مِنْهُ الْحُسْنَى يَا مَنْ يُغَذِّينِي بِالنِّعَمِ صَبَاحاً وَمَسَاءً ارْحَمْنِي يَوْمَ آتِيكَ فَرْداً شَاخِصاً إِلَيْكَ بَصَرِي مُقَلِّداً عَمَلِي وَقَدْ تَبَرَّأَ جَمِيعُ الْخَلْقِ مِنِّي نَعَمْ أَبِي وَأُمِّي وَمَنْ كَانَ لَهُ كَدِّي وَسَعْيِي ] « 1 » . ومن أهم ما يقع يومئذ هو رفع الحجب عن المجرمين حتى يروا الحقائق التي عميت عنها أبصارهم وقلوبهم في الدنيا ، كما يرون أيضا أقرباءهم الذين يتهربون منهم . « يُبَصَّرُونَهُمْ » قيل : يرون الملائكة والروح الذين يعرجون إلى الله ] ، وقيل : أئمة الهدى والحق ] ، وقيل : الأَحِمَّاء ، لبيان أن عدم سؤالهم عنهم يومئذ ليس لعدم رؤيتهم إياهم ، وإنما لانشغال نفوسهم وأفكارهم ] ، وإلى ذلك ذهب الزمخشري والرازي والسيد الطباطبائي ، وهذا أقرب إلى السياق . وبُني الفعل للمجهول لأن المجرمين يحشرون عميانا أعينهم وقلوبهم كما كانوا في الدنيا عميانا لا يرون الحقائق ، وإنما يُبصِّرهم الله أو ملائكته بأمره . . وهناك تبلغ ندامتهم ذروتها لما يرون من واقع العذاب الذي كذبوا واستهزؤوا به في الدنيا إلى درجة العتو والتحدي . « يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ » وهم أقرب الناس إليه ، وأعزهم لديه ، « وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ » في الدرجة الثانية ، « وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ » قيل : هي العشيرة والقبيلة ] ، وقيل : هي المنقطعة عن
--> ( 1 ) الإقبال : ص 52 : من دعاء صلاة الليل .