السيد محمد تقي المدرسي
211
من هدى القرآن
عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمُورِ بَيْنَهُمْ فَيُخْبِرُهُمْ بِأَشْيَاءَ تَحْدُثُ وَذَلِكَ فِي وُجُوهٍ شَتَّى مِنْ فِرَاسَةِ الْعَيْنِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ وَوَسْوَسَةِ النَّفْسِ وَفِطْنَةِ الرُّوحِ مَعَ قَذْفٍ فِي قَلْبِهِ لِأَنَّ مَا يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَوَادِثِ الظَّاهِرَةِ فَذَلِكَ يَعْلَمُ الشَّيْطَانُ وَيُؤَدِّيهِ إِلَى الْكَاهِنِ وَيُخْبِرُهُ بِمَا يَحْدُثُ فِي الْمَنَازِلِ وَالْأَطْرَافِ ] « 1 » ، وتهدينا هذه النهاية إلى أن نسبة الصدق لدى الكهان فيما يتصل بأسرار الناس تكون أكبر من نسبتها في الحديث عن الغيب ، لأن الأسرار قد وقعت واطلع عليها الجن الذين يتصلون بهم ويخبرونهم ، وليس الغيب كذلك ، ولا سيما فيما يتصل بوضع برنامج حياتي متكامل في بصائر العقل وتزكية القلب وتنمية الإرادة ونظام الحياة ، فإنه لم يبلغه أي كاهن عبر التاريخ . إنه فقط معاجز الرسل . [ 43 ] إن التمايز بين خط الرسالة والثقافات البشرية واضح لا غموض فيه ، ولذلك فإن نظرة فاحصة للقرآن تهدينا إلى أنه ليس شعرا ولا كهانة إنما رسالة الله إلى خلقه « تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ » . أولًا : إن القرآن معجزة الله الخالدة ، لفظًا بأدبه وبلاغته ونظمه و . . ، ومعنًى بهداه ومعانيه ، والذي يدرس القرآن من جانبيه ( الظاهر والباطن ) يتيقن بلا أدنى شك أنه فوق قدرات العالمين إنسا وجنا ، وهذا ما توحي به كلمة « تَنزِيلٌ » إذ لا ينزل الشيء إلا من المكان العَليُّ ، وبتعبير آخر : إنه تعالى لو لم ينزل الرسالة بلطفه لما كان العالمون - مهما تفتقت عبقرياتهم وبلغت قدراتهم - قادرين على السمو إلى مقام الإتيان بمثل آيات القرآن . . لا بالشعر ولا بالكهانة ، ولو بلغ الأمر أن تضافرت القوى والتقت الحضارتان ، حضارة الإنسان والجن « قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » [ الإسراء : 88 ] . ثانياً : إن الله تعالى يتجلى في كتابه بصفاته وأسمائه الحسنى ، وكتابه يهدي إليه من بدايته حتى نهايته ، وإن القارئ آياته والمتدبر كلماته ليرى ربه ببصيرة الإيمان واليقين ، قال الإمام الصادق عليه السلام : لَقَدْ تَجَلَّى الله لِخَلْقِهِ فِي كَلَامِهِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُبْصِرُون ] « 2 » ، وقال الإمام علي عليه السلام : فَبَعَثَ الله مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله . . . بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وأَحْكَمَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ ، ولِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ ، ولِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ ، فَتَجَلَّى لَهمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ ، وخَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ ، وكَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ ، واحْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ ] « 3 » . إن المسافة بين كلام الله وكلام المخلوقين ليست بالتي تخفى على ذي لب وفطرة حتى يجهل أحد التمييز بين الرسالة وأفكار المخلوقين . ولنا وقفة هنا على العلاقة بين الحديث عن الرسالة
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 10 ، ص 168 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 107 . ( 3 ) نهج البلاغة : خطبة : 147 .