السيد محمد تقي المدرسي

21

من هدى القرآن

لنفسه . قال تعالى : « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » [ النساء : 64 ] . الثانية : أن الشفاعة في التحليل العميق هي أن حسنة كبيرة كحب الرسول وطاعته والعمل بما يقول تذهب بالسيئات التي لا تمس بجوهر الإيمان وأساسه . الثالثة : أن الآية توضح الفاصل بين نظرية الفداء وشبيهاتها القائمة على الإيمان بتعدد الآلهة ، وأن بعضها يفرض رأيه على البعض الآخر ، والتي ترى بأن شفاعة الأولياء والملائكة تفرض على الله فرضا ، وبين نظرية الإسلام التي ترى أنها مجرد دعاء من قبل المقربين ، ولله أن يتقبله أو يرده من دون فرض أو حتم . والفارق المهم بين النظريتين أن الأولى تبرر للإنسان عدم تحمل المسؤولية اعتمادا على اختلاف الملأ الأعلى وتعدد إدارة الكون ، بينما تؤكد الثانية ضرورة تحملها إذ ليس مؤكدا أن يقبل الله شفاعة الآخرين واستغفارهم . « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ » والآية هذه تختصر المعادلة كالتالي : إن الله لا يوفق المنافقين لأنهم فاسقون ، وبالتالي لا يتم التحول الايجابي في حياتهم فلا يستغفر لهم الرسول ، وإذا لم يستغفر لهم لن يغفر الله لهم . وبالتدبر في خاتمة الآية قد يتضح لنا أن مغفرة الله تتجلى في هدايته للإنسان إلى الحق ، وأن الفسق هو سبب النفاق ، وأن من تجاوز حدود الله يقع في تيه النفاق والضلال . [ 7 ] ومن اظهر مصاديق صد المنافقين واستكبارهم وفسقهم هو حربهم الاقتصادية التي يشنونها على الرسالة والرسول ، حيث لا يكتفون بعدم إنفاقهم إنما يوجهون الآخرين إلى عدم الإنفاق ، بهدف إضعاف المسيرة الرسالية من خلال تفرق الناس عن القيادة ، وتعطيل مشاريعها نتيجة فقدان العامل الاقتصادي الذي هو جزء من القوانين الاجتماعية . « هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا » وهذه سياسة أعداء الإسلام عبر التاريخ ، ولكنها لا تحقق لهم ما يريدون لأسباب واقعية ، وأهمها : أولًا : أن الذين حول القيادة الرسالية من المؤمنين الصادقين لم يكن الدافع لهم نحو الانتماء إلى خطها والطاعة لها هو الاقتصاد ، كما يتصور المنافقون المنهزمون أمام المادة ، إنما تبصروا طريق الحق ، وإنهم لعلى استعداد للبقاء معها حتى الشهادة بالسيف أو الموت جوعا ، فهذا أحدهم عبد الله بن حذاقة : وقد أسرته الروم وعرضت عليه التنصر فأبى ، فأغلي الزيت في إناء كبير ، وأتي برجل من أسرى المسلمين فعرض عليه التنصر فأبى فألقي في الزيت المغلي ، فإذا عظامه تلوح ، ثم عرض على عبد الله هذا النصرانية فأبى ، فأمر به أن يلقى في الزيت المغلي ،