السيد محمد تقي المدرسي
196
من هدى القرآن
يحاسبني وهو الله وسأجازى ، لأن ما بعد الحساب هو المقصود لذاته . والمعنى أن كل ما تقرؤونه في الكتاب من الصالحات هو ثمرة لشجرة الإيمان بالآخرة ، ونبتة جذرها يعود إلى ذلك . وفي معنى الظن اختلفت تعابير المفسرين ، فقال الزمخشري وتابعه الفخر الرازي : أي علمت ، وإنما أجري الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام ، ويقال : أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت ) ) « 1 » وهو ضعيف ، لأن فيه تضعيف لكون الظن هنا بمعنى العلم واليقين الذي ذهب إليه أغلب المفسرين وهو الأقرب ودلت عليه النصوص ، قال الإمام علي عليه السلام وقد سأله رجل عما اشتبه عليه في القرآن : وأما قوله : « إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ » وقوله : « يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ » وقوله للمنافقين : « وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ » فإن قوله : « إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ » يَقُولُ : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي أُبْعَثُ فَأُحَاسَبُ لِقَوْلِهِ : « مُلاقٍ حِسَابِيَهْ » ، وَقَوْلِهِ لِلْمُنَافِقِينَ : « وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ » فَهَذَا الظَّنُّ ظَنُّ شَكٍّ فَلَيْسَ الظَّنُّ ظَنَّ يَقِينٍ ، وَالظَّنُّ ظَنَّانِ : ظَنُّ شَكَّ وَظَنُّ يَقِينٍ ، فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَعَادٍ مِنَ الظَّنِّ فَهُوَ ظَنُّ يَقِينٍ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَنُّ شَكٍّ ] « 2 » . ويبدو لي أن الظن في هذه الآية مرحلة متقدمة من العلم واليقين ، لأنه بمعنى الاستحضار والتصور ، فإن المؤمنين المتقين ليركزون الفكر في أمر الآخرة ويتخيلون مشاهدها الغيبية قائمة في الشهود أمام أعينهم ، فتارة يتصورون الجنة وما فيها من النعيم ، وأخرى يتصورون النار وما فيها من شديد العذاب ، مما يزرع فيهم الخوف والرجاء ، بل ويرون الجنة والنار بكل وضوح في الأعمال الدنيوية . وإن يقين المؤمنين بوجوب الحساب يجعلهم يتحركون في الحياة على أساس ذلك ، فإذا بهم يحاسبون أنفسهم ويسعون جهدهم أن تكون صحائفهم منورة بالصالحات ، فلغتهم في الحياة لغة رياضية ذات حسابات دقيقة في علاقاتهم ، وأوقاتهم ، وجهودهم ، وإنفاقهم . ( 21 - 23 ) ويبين الوحي جانبا من نعيم كل صاحب يمين فيقول : « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » أي كاملة لا يعتريها نقص ولا عيب ، فإن الرضا لا يحصل إلا إذا وجد الإحساس بالكمال وعدم النقص ، وكون المؤمن في عيشة راضية دليل على بلوغه قمة الرضا لأن رضا المحيط والعيشة جزء من رضاه ويعززه ، فليس ثمة في محيطه شيء ولا أحد غير راضٍ يبعث في نفسه عدم الرضا والراحة النفسية ، فنعيم الجنة وحورها وكل شيء فيها ليفرح بالمؤمن ويرضى به . وفي الآية فكرة عميقة وهي : أن المؤمن أين ما حل يحبه المحيط ، وتستأنس به الحياة ، لأنه
--> ( 1 ) الكشاف : ج 4 ص 603 ، الرازي : ج 30 ص 111 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 90 ، ص 140 .