السيد محمد تقي المدرسي
194
من هدى القرآن
الجنة والنعيم ، وطريق الباطل الذي ينتهي به إلى النار والعذاب ، وأما الفرصة فهي عمره الذي يفنيه في أحد الطريقين ، فإما يختار الجنة ويسعى لها سعيها أو العكس ، فالدنيا وحدها هي دار الابتلاء والعمل وحيث تقع الواقعة ويعرض للحساب فإنه لا يملك تبديلا ولا تحويلا ، لأن الآخرة دار الحساب والجزاء فقط . وفي الدرس الأخير من سورة الحاقة يضعنا القرآن وجها لوجه أمام هذه الحقيقة مؤكدا أن هناك عاقبتين وفريقين ، فإما العيشة الراضية في الجنة التي هي نصيب أصحاب اليمين ، وإما تصلية الجحيم جزاء لأصحاب الشمال . وبعد أن يبين في الأثناء أن المصير في الآخرة متأسس على موقف الإنسان وعمله في الدنيا يوجهنا ربنا إلى رسالته الحقة الصادقة باعتبارها الصراط المستقيم والنهج الذي يقود إلى الفوز والفلاح يوم القيامة ، مدافعا عنها ضد ضلالات أعدائه وأعداء رسوله الذين قالوا : إنها شعر تارة وكهانة تارة أخرى جحودا واستكبارا ، وإنها لتذكرة للمتقين وحسرة على الكافرين ، وإنها لحق اليقين ، فسبحان الله عما يصفون ويشركون . بينات من الآيات : [ 19 ] بعد عرض الناس للحساب تظهر حقيقتهم ، وتتعين مصائرهم على أساسها في ظل الهيمنة المطلقة للحق ، ولعله لذلك سُمِّيت القيامة بالحاقة ، فإما أن يكون الحق مع الإنسان فيقوده إلى الفوز بالجنة ، وإما أن يكون ضده فيسوقه إلى بئس المصير في جهنم . ويكشف لنا القرآن عن غيب الآخرة ليضعنا أمام مصيرين لا ثالث لهما بعد أن وضعنا في أجواء القيامة وأحضر مشاهدها في قلوبنا لكي نختار أحد الاثنين ، وبالطبع نرى السياق القرآني يرجِّح لنا بعرضه الحكيم خيار أصحاب اليمين . « فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ » مما يعني فوزه بالجنة والرضوان ، لأن اليمين رمز ذلك ، وكناية عن اليمن والبركة والخير ، « فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ » ، قال العلامة الطبرسي : « هَاؤُمْ » أمر للجماعة بمنزلة هاكم وأضاف : بمنزلة خذوا ، وإنما يقول ذلك سرورا لعلمه بأنه ليس فيه إلا الطاعات ، فلا يستحي أن ينظر فيه غيره ] « 1 » ، وقال الرازي : دل ذلك على أنه بلغ الغاية في السرور فأحب أن يظهره لغيره حتى يفرحوا بما ناله « 2 » ، ولعل خطابه موجه لإخوانه من أصحاب الجنة ، وبالخصوص أئمة الحق الذين ينصبهم الله موازين للأمم عند الحساب ، كما قال تعالى : « يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا » [ الإسراء : 71 ] .
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 438 . ( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 111 .