السيد محمد تقي المدرسي
188
من هدى القرآن
أن قال - : وَأَنَا الْأُذُنُ الْوَاعِيَة ] « 1 » ، وقال النبي صلى الله عليه وآله يخاطب عليا عليه السلام : سَأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِي ] « 2 » وفي تفسير القرطبي روى مكحول : أن النبي صلى الله عليه وآله قال عند نزول هذه الآية : سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَ عَلِي ] قال مكحول : فكان علي ( رضي الله عنه ) يقول : مَا سَمِعْتُ مِنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله شَيْئاً قَطُّ فَنَسِيْتُهُ إِلَّا وَحَفِظْتُه ] « 3 » أي ما كنت أنساه وما كنت إلا أحفظه . وعن الحسن نحو ذكره الثعلبي ، قال : لما نزلت [ الآية ] قال النبي صلى الله عليه وآله : سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِي ] ، قال علي : فَمَا نَسِيْتُ شَيْئاً بَعْدُ وَمَا كَانَ لِي أَنْ أَنْسَى ] « 4 » ، وإنما طلب النبي ذلك من الله لأنه يعلم أن عليًّا هو الامتداد الحقيقي له ولخطه ، فلا بد أن يستوعب رسالته . . وتتسع الآية لمصاديق أخرى وبدرجات متفاوتة ، إذ إن كل أذن واعية هي مصداق لها . إن التاريخ معلِّم للبشرية ، ويجب أن تتلمذ في مدرسته ، لأن ذلك هو السبيل للتقدم والسعادة في الدارين ، فهي لو درسْت تاريخها وتفكرت في حوادثه ومنعطفاته فسوف تهتدي إلى الحق في كل صعيد وجانب من الحياة . . تهتدي إلى ربها لأن التاريخ كله آيات موصلة إلى الإيمان به ، وتهتدي إلى الكثير من السنن والقوانين والحقائق الحضارية التي من شأنها لو وعتها أن تتجنب الأخطاء والأخطار ، وتجد طريقها إلى المجد والفلاح . [ 13 - 14 ] ثم ينعطف السياق للحديث عن الآخرة لأنها الحاقة العظمى ، وأجلى صورة لسنة الجزاء في الوجود . . وإن الأذن الواعية ليتذكر صاحبها بحوادث التاريخ ، وما لقيته الأقوام في الدنيا من الجزاء الإلهي فيعي بذلك حقيقة الآخرة ، وأنها حقًّا لأذن واعية تلك التي تعاين الغيب من خلال الشهود ، وتتسع آفاقها لرؤية المستقبل عبر الحاضر ، فلا تُفاجأ بالواقعة ، إنما تأتي مستعدة لتجاوز عقبتها بزاد التقوى وذخيرة العمل الصالح . بلى ؛ إن الواعين يعيشون في الدنيا ولكن أرواحهم في الآخرة ، بل إن حضورها في قلوبهم أعظم من حضور الدنيا ، فتراهم لا يغفلون عنها لحظة واحدة ، وحيث ينقل لهم القرآن مشاهد منها فكأنها قائمة بين أعينهم وقلوبهم ، كما وصفهم صاحب الأذن الواعية الإمام علي عليه السلام بقوله : فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً ، وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً ، وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ ، وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ ، وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وأَكُفِّهِمْ ورُكَبِهِمْ وأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 33 ، ص 282 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 34 ، ص 331 . ( 3 ) القرطبي : ج 18 ، ص 264 ، الدر المنثور : ج 6 ، ص 260 . ( 4 ) المصدر ذكر ذلك وذكره الكشاف ، الرازي ، فتح القدير ، الدر المنثور ، شواهد التنزيل للحسكاني ، أسباب النزول للنيسابوري ، عند تفسير الآية فراجع ، الدر المنثور : ج 6 ، ص 260 .