السيد محمد تقي المدرسي
185
من هدى القرآن
فتكذيبهم بالقارعة لم يغير من الحقائق الواقعية شيئا ، بل قرعتهم في الدنيا قبل الآخرة ، ونحن الذين نقف على أخبار الأقدمين يجب أن نتخذها حاقة تكشف لنا عن سنة الجزاء ، ومن ثم حقيقة الساعة والقيامة والبعث ( الآخرة ) . [ 9 - 10 ] ويضع السياق صورا أخرى تكشف عن الحقائق ذاتها : هيمنة الله على الحياة ، وسنة الجزاء ، والآخرة . . وإنما يكثر القرآن الأمثال لكيلا تبقى عندنا ذرة شك أو شبهة أن تلك الحوادث كانت صدفة ، وبالتالي لكي يتعمق في نفوسنا الإيمان بالله والجزاء . « وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ » أي بالقيم والأعمال البعيدة عن الحق والصواب ، كالظلم والعلو والشرك وادعاء الربوبية ، وقد اختلف في الذين قبل فرعون إلى قولين : الأول : أنهم الأمم والقرون التي سبقته وأهلكها الله . الثاني - وهو صحيح أيضاً - : أن فرعون كان حلقة من نظام سياسي كان يحكم مصر ، والذين قبله يعني الحلقات الأخرى منه ، قال الإمام الباقر عليه السلامفي قوله : « وَجَاءَ فِرْعَوْنُ » يَعْنِي الثَّالِثَ « وَمَنْ قَبْلَهُ » الأَوَّلين ] « 1 » ، وإلى ذلك تشير الآثار والدراسات العلمية للتاريخ السياسي لمصر ، وربما الأولى الجمع بين الرأيين ، والقول بأن « وَمَنْ قَبْلَهُ » تشمل كل من كان قبل فرعون من ملوك مصر وغيرهم . وأما « وَالْمُؤْتَفِكَاتُ » فهي قرى لوط التي جعل الله عاليها سافلها جزاء شذوذهم الجنسي ، ومشيتهم المقلوبة في الحياة ، حيث كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ، وإنما خص الله قوم لوط بالذكر مع شمول « وَمَنْ قَبْلَهُ » لهم لأنهم من أظهر شواهد الانحراف ، ولعل أعظم الخطيئات التي جاءت بها تلك الأقوام هي اتباع المناهج والقيادات المنحرفة ، ومن ثم التكذيب برسالات الله ورسله « فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ » نتيجةً مباشرة لذلك . وماذا يعني عصيان الرسول ؟ إنه الانحراف عن الحق والسنن الطبيعية في الحياة ، ومحاربة الله . . وهل ينتهي ذلك إلا إلى الانحطاط والهلاك ؟ ! « فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً » وأصل الرابية : الزيادة ، ويسمى ما ارتفع من الأرض رابية لأنه في حقيقته زيادة فيها بالارتفاع ، وأما الأخذة الرابية فهي : إما التي زادت على غيرها من عذاب الله وأخذه ، أو التي نمت وتعاظمت بسبب تراكم الخطيئات ، وهذا قريب ، وفيه دلالة على أنه تعالى أملى لهم وأمهلهم ليزدادوا إثما ، فيزيدوا بأنفسهم غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة .
--> ( 1 ) البرهان : ج 4 ، ص 375 .