السيد محمد تقي المدرسي

177

من هدى القرآن

الإطار العام : الإنسان بين الجدّ والهزل ثلاث آيات غرر في هذه السورة ترسم معالمها ، وتحدد - فيما يبدو - إطارها . فاتحتها : « الْحَاقَّةُ » ، وعند الخاتمة : « وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ » ، وأوسطها : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » . وحين ينفتح القلب على أشعة السورة يلامس الحقيقة - كل حقيقة وكل الحقيقة - بلا حجاب ، وكذلك سور القرآن جميعاً هي الجسربين الإنسان والحقيقة ، يتجاوز المتدبرون فيها كل الحواجز ، ولكن كل سورة تسقط عنا حاجزاً . وسورة الحاقة - كما آيات أخرى مبثوثة في كتاب ربنا العزيز - تسقط حاجز التهاون ، ذلك أن الإنسان بطبعه يعيش الغفلة عن الحق ، والتهاون فيه ، وعدم الجدية في التعامل معه ، واتخاذ أمره بسذاجة ، بل وبسفاهة . كلا ؛ إنه حق ، وللحق ثقله ، وللحق اقتداره ، وللحق حقيقته وطاقته التي تثبته وتجعل مخالفيه في حرج عظيم . ألم تسمع بقصة عاد وثمود وفرعون وقوم نوح والمؤتفكات ؟ ماذا حدث بهم حينما اتخذوا موقف اللاهي عن الحق فصارعوه ؟ كيف نزلت بهم القوارع فتركتهم صرعى ؟ ! . أوتدري ما الحكمة في ذلك العذاب العريض ؟ لكي يذكِّرنا ، فلا نبقى سادرين في غياهب الغفلة ، ولكي تعيه أذن واعية . ( الآيات : 1 - 12 ) . وتتجلى الحقيقة بكل جلالها وعظمتها في يوم القيامة ، وحين نتصور أهوالها نزداد وعياً بها في الدنيا أيضاً . ( الآيات : 13 - 18 ) . وأصعب المواقف وأشدها جديةً وهولًا عند استلام الكتاب المصيري ، فمن أوتي كتابه بيمينه فطوبى له ، ومن أوتي بشماله فيقول من فرط حسرته : « يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ » ، ويقول : « يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ » ! ( الآيات : 19 - 29 ) .