السيد محمد تقي المدرسي

162

من هدى القرآن

هدى من الآيات : في هذا الدرس تعالج الآيات أسباب التكذيب بالرسالة والتهرب من مسؤولياتها ، وهي : أولًا : الأمنيات الباطلة التي تحلم بتساوي الناس في الجزاء ، الأمر الذي يبرر للمترفين عدم التصديق بالرسالة والعمل بمضامينها وتحمل المسؤولية في الحياة ، ولماذا يكلف الإنسان نفسه ما دام الجزاء واحدا ؟ . والقرآن بعد أن يؤكد عظيم ثواب المتقين وشديد عذاب المجرمين ، يسفِّه الحكم الباطل لدى البعض بتساوي الفريقين عند الله ، وذلك بأدلة وجدانية لا بد للإنسان السوي من التسليم لها . ثم تبين الآيات أن جزاء الآخرة ليس إلا تجسدات واقعية لأعمال الإنسان التي اختارها بتمام وعيه وإرادته في الدنيا ، لذلك لا يستطيع أحد سجودا يوم يكشف عن ساق الجِدَّ رغم الدعوة الإلهية له إلى ذلك ، وتغطي وجهه الذلة . لماذا ؟ لأنه أعرض عن السجود وقد كان في سلامة مادية ومعنوية في الدنيا ، وهذه الحقيقة تبعث في وجدان المؤمنين روح المسؤولية التي يعمقها الوحي بتحذير الإنسان من أنه لو كذب بهذا الحديث فسوف يستدرجه من حيث لا يعلم ، الأمر الذي يصير به إلى سوء العذاب ، ولا يكون له في الآخرة من خلاق ، وذلك من متين كيده عز وجل الذي يحسبه المترفون خيرا . ثانياً : الموقف الخاطئ من الرسالة والاعتقاد بأنها مغرم ، لما فيها من مسؤولية وبالذات واجب الإنفاق المفروض على أصحاب الثروة ، وإنها لكبيرة على المترفين الذين أسرتهم الأموال ويتضاعف حرصهم كلما فتح الله لهم أبوابا من الدنيا وأملى لهم . ثالثاً : البطر الذي يجعل الإنسان لا يشعر بالحاجة إلى الرسول والرسالة ، بل قد تراه يزعم أنه قد أعطي الغيب بيده ! الآية ( 47 ) . وهذه الأسباب الثلاثة ذاتها تجعل الحركة التغييرية في أوساط المترفين وفي ظل هيمنتهم حركة بطيئة وصعبة مما يوجب على كل مصلح رسالي أخذها بعين الاعتبار ، فيصبر لحكم ربه ، مستقيما على رسالته لا يتراجع عنها ، ولا يصاب بردة فعل سلبية قد تقوده إلى تكفير مجتمعه أو هجرته ، كما فعل النبي يونس بن متى عليه السلام الذي يئس من التغيير فدعا على قومه فابتُلي بالسجن في بطن الحوت ، فإنه يجب على كل رسالي الصبر في طريق الرسالة وإن كان المكذبون