السيد محمد تقي المدرسي
152
من هدى القرآن
عن طاعتهم والتي ذكرها القرآن في الآيات السابقة ( الحلف والمهانة والهمز والنميمة ومنع الخير والاعتداء والإثم والعتالة والزنامة ) كلها بالافتتان بالدنيا ( المال والبنين ) . إذن فطريق تكامل أخلاق الخير في شخصية الإنسان ، وبالتالي التسامي إلى قمة الفضيلة السامقة ( أعني التوحيد ) لا يكون إلا بتجاوز فتنة الدنيا بأموالها وبنيها . وليس تجاوز الفتنة بنبذ المال والأتباع ، لأنها حينما يحسن البشر التصرف فيهما يكونان خير معين له على الرقي في سلم الكمال الأخلاقي والإيماني ، ففي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله : نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى الله الْغِنَى ] « 1 » ، وعن الإمام الصادق عليه السلام : نِعْمَ الْعَوْنُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ] « 2 » ، أوليس العوز سبب التبعية ، والحاجة تؤدي إلى الذل ؟ ونهتدي إلى فكرة أخرى هامة حينما نربط هذه الآية بنهي القيادة عن طاعة المترفين ، وهي : أن القائد قد ينخدع هو الآخر بما عندهم من حطام الدنيا ( أموالا وأتباعا ) فيطيعهم أو يداهنهم طمعا فيهما أو خشية منهما ، ويجب عليه أن يتجاوز هذه العقبة بالتوكل على ربه والرغبة فيما عنده . [ 15 ] الثاني : نبذ رسالة الله وراء ظهورهم . وما هي رسالة الله ؟ إنها الحق والفضيلة ، وحيث رفضوها واتبعوا أهواءهم وشهواتهم فقد اختاروا الباطل على الحق ، والرذيلة على الفضيلة « إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ » أي أنها قيم قديمة لا تنسجم مع الواقع المعاصر ، فهي أساطير تشبه ما يسطِّره الأولون بخيالاتهم من القصص البعيدة عن واقع الحياة وحقائقها ، وهذه من طبيعة الإنسان حينما يتكبر ويعاند لا يبحث عن صحة الفكرة ، ولا كونها حقًّا أم باطلا ، وإنما يبحث قبل ذلك وبعده عن التبرير بغض النظر عن سلامته . . فالمهم أن يقدِّم عذرا مبررا ، ولكن هل درس المترفون رسالة الله دراسة موضوعية عقلانية أوصلتهم إلى هذا الحكم ، أم أنهم وجدوها لا تتفق مع أهوائهم ، ووجدوا الرسول لا يداهنهم ولا يطيعهم فقالوا ذلك ؟ بلى ؛ إنهم ربطوا الرسالة بمصدر بشري : « الأَوَّلِينَ » ، ولم يربطوها بالله لكي يهربوا من مسؤولية الحق ، ولكن هل يصير الحق باطلا بمجرد أن يقول أحد إنه أسطورة أو باطل ؟ كلا . . وهكذا لا تغيِّر أباطيل المترفين من حقيقة الرسالة شيئا أبدا ، ودليل ذلك أنهم لن يفلتوا من الجزاء . [ 16 ] بل سيتأكد لهم يوم الجزاء أن الرسالة حقائق واقعية عندما يجازيهم الله ويعذبهم ، وهذا ما يوضح لنا العلاقة بين قول المترفين أن الرسالة أساطير الأولين وبين قول الله مباشرة : « سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ » والوسم : العلامة التي يعرف بها الشيء ، ويقال للكي وسما لأن العرب كانت تحمي حديدة تكوي بها الدواب لتكون فيها علامة مميزة ، والميسم هو آلة
--> ( 1 ) الكافي : ج 5 ، ص 71 . ( 2 ) الكافي : ج 5 ، ص 72 .