السيد محمد تقي المدرسي

146

من هدى القرآن

« وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ » يبدو أن أصل معنى المداهنة جاء من وضع الدهن على الشيء لكي يلين جانبه ويكون مطواعا ، والمعنى أنهم يطمعون لو أنك يا رسول الله تطيعهم في التنازل عن بعض القيم الإلهية والمواقف فيبادرون هم بالتنازل عن بعض مواقفهم منك ومن الرسالة ، كما فعل من قبل بعض أحبار اليهود والنصارى . وما أكثر ما تتعرض القيادات الرسالية لهذه اللون من الضغط الماكر ، فما أحوجها لتقوى الله . ولا ريب في أن أعظم مداهنة يسعى المترفون لإيقاع القيادات الدينية فيها هي فصل الدين عن السياسة لكي يتسنى لهم التلاعب بثروات الشعوب بصورة أفضل ، ولكي تبقى سلطتهم في مأمن من ثورة المجتمع ، باعتبار أن ربط الدين بالسياسة يبعثه نحو الثورة للتحرر والتغيير . ويتأثر الإنسان بالمداهنة عبر أحد عاملين : الأول : الافتتان بحطام الدنيا الذي يقدمه المترفون . الثاني : تغيير قناعة القائد بالقيمة التي يداهن فيها فيتنازل عنها بحثا عما هو أفضل منها ، ولذلك فإن المستكبرين يوظفون جانبا كبيرا من إمكاناتهم الإعلامية لتحقيق هذا الهدف ، بمحاربة قناعات الرساليين ليس في المجتمع وحسب بل في داخل أنفسهم أيضا ، فمثلا تراهم يوحون عبر إعلامهم المضلل بأن المجاهدين الذين يسعون للإصلاح الشامل إرهابيون ، ويضربون على هذا الوتر طويلا لعلهم يجدون تجاوبا عند بعض المجاهدين فيغيروا من خططهم بما لا يتنافى ومصالح المستكبرين ! كما كانوا أيام رسول الله صلى الله عليه وآله حيث كانوا يسمونه مجنونا لأنه أراد تغيير الواقع والإنسان تغييرا جذريًّا ، طمعا في هزيمته نفسيًّا ثم تنازله عن ذلك الهدف العظيم . ومن الجدير ذكره هنا أن من أسباب تحريف الديانة المسيحية واليهودية في التاريخ أن القيادة الدينية تأثرت بعاملين : الأول : الخوف من المترفين الجبارين . الثاني : الرغبة في استقطاب المزيد من الجماهير في ظل حماية الدولة ، مما دعاهم إلى المداهنة بحذف بعض القيم والأحكام التي في الإنجيل والتوراة ، وإدخال بعض الأفكار والأحكام التي تتوافق مع أهواء الناس ، ونسوا أن ما بقي لم يعد دين الله ، بل دين الجبارين ، وأنهم بذلك أصبحوا خدما في بلاط السلاطين وليسوا منقذين لعباد الله المحرومين ! .