السيد محمد تقي المدرسي
144
من هدى القرآن
اليأس أو التشكيك في صحة خطهم وسلامة قيادتهم ، فإن المستقبل مهما طال الزمان ورغم الظواهر السلبية في صالحهم وفي صالح رسالتهم ، لأنهم يتَّبعون الحق . [ 7 ] ومع أن هذه من القواعد الأساسية التي يجب على الرساليين اعتمادها في تحركهم ، إلا إنهم يستمدون مناعتهم من الحق ، وإيمانهم بسلامة الخط من الإيمان بالله ، فليس المهم عندهم أن يكونوا في نظر الآخرين أصحاب حق ، أو أن يكشف لهم واقع الدنيا عن هذه القضية ، إنما الأهم أن يكونوا عند الله من المهتدين ، ذلك أنهم لا ينفعهم ثناء أحد إذا كانوا عند الله من الضالين ، كما لا يضرهم شيء لو كانوا عنده من أهل الهداية . وإن الرساليين إذا ما تمسكوا بهذا الأصل فلن يتأثروا بالضغط أو الإعلام المضاد ، ولن ينال أحد من قناعتهم قيد شعرة « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » . والسؤال : كيف يكتشف الإنسان واقع انتمائه هل هو إلى فريق الضالين أم إلى فريق المهتدين ؟ وبتعبير آخر : كيف يصل المؤمنون إلى القناعة التامة والراسخة بأنهم أهل الحق ؟ . والجواب عن ذلك : أن لله في هذه الحياة سبيلا واحدا هو الصراط المستقيم ( الحق ) الذي يتجسد في رسالة الله وفي القيادة الرسالية وخطها السليم ، فمن اتبع رسالته ودينه ، وسلَّم لقيادة الحق ( الرسل وأئمة الهدى الذين يمثلون امتدادا حقيقيًّا لهم عبر التاريخ ) وانتمى لخطهم ، فهو من المهتدين ، وإلا فهو من الضالين . ونهتدي من الآية الكريمة إلى أن هناك علمين هما : علم الإنسان عبر عقله ، العقل الذي يتجلى في المستقبل ، وعلم الله الذي يكشفه الوحي ، وأن الإنسان قد يعجز عن تمييز الأشياء بعقله ، في حين أن علم الله يجليه له تماما . [ 8 - 13 ] ويمضي بنا السياق إلى محور أساسي في السورة عندما يبين الموقف السليم الذي يجب على القيادة الرسالية اتخاذه من قوى الضغط ، التي تحاول التأثير على القائد وتجيير قراراته ومواقفه في صالحها ، بتطويعه لخدمة أغراضها من حيث يدري أو لا يدري ، وعادة ما تكون تلك القوى من المترفين أصحاب المال والقدرة الاجتماعية أو السياسية أو هما معا في المجتمع . ويتوجه الوحي بالنهي إلى القائد بالذات ، لأن قوى المترفين المستكبرة تسعى لإفساد المجتمع ونظامه السياسي ، من خلال إفساد جهازه الديني والسيطرة عليه ، لأن السيطرة عليه تجعلهم أسرع نفاذا في المجتمع ، كما توفر لفسادهم غطاء شرعيًّا . وهم يتسللون إلى الجهاز الديني ويؤثرون فيه بسلاح المال ، حيث يجعلونه يعتمد على أموالهم التي يقدمونها خمسا وزكاة وتبرعا أو هدية ورشوة . وإن هذه الحقيقة تظهر بوضوح حينما ندرس مسيرة الجهاز الديني عبر