السيد محمد تقي المدرسي

122

من هدى القرآن

للأرض وسكانها به . وتذكُّر هذه الحقيقة مهم لأمرين : الأول : أنها إلى جانب تنعُّم الإنسان ببركات الله ورحماته التي في الطبيعة تعطيه توازنا نفسيًّا وعقليًّا وعمليًّا يسوقه نحو المسيرة الصحيحة في الحياة ، فلا تبطر به النعم وتضلله عن أهدافه . فإنه متى وصل الإنسان إلى اليقين بقدرة الله عليه سلَّم له أمره واتصل به وخضع له ، وهذه من أعظم أبعاد الخشية منه تعالى . الثاني : أنها تجتث من نفس الإنسان جذور الشرك ، لكيلا يأمن مكر الله ثم يعصيه اعتمادا على الشركاء المزعومين ( كالشياطين والأصنام والملائكة بأنهم قادرون على مقاومة قدرة الله ومنع مشيئته ) أو استرسالا مع رحمته تعالى . « ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ » أي تموج وتضطرب كما يمور البحر ، وذلك بإحداث انهيارات أرضية وزلازل ، أو بتغيير النظام الأرضي مرة واحدة مما يفقدها توازنها بصورة رهيبة ، وفي الآية إشارة إلى ذلك بكلمة الخسف التي تعني التغيير والتبديل باتجاه سلبي . « أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً » وفي التساؤل ب - « أَمْ » تلويح بالنهي عن أن يأمن أحد مكر الله لما فيه ذلك من دواعي المعصية والاسترسال ، والحاصب حجارة العذاب المتقدة نارا ، وقوله تعالى : « مَنْ فِي السَّمَاءِ » في الآيتين محمول على أحد وجوه ثلاثة : فإما هو كناية عن تعاليه سبحانه ، وإما لأن في السماء عرشه الذي تصدر منه أوامره عز وجل ، وإما يكون إشارة إلى الملائكة التي تنفذ أمر الله ومشيئته في الحياة . ونتساءل : ما هي العلاقة بين تحذير الله للناس من الكفر به وتهديده بتحطيم النظام الكوني لو كفروا ؟ . والجواب : لأنه تعالى ( كما بيَّن في الآية الثانية ) إنما خلق الوجود الحي والميت لأجل الإنسان ، فإذا أفسد البشر حكمة وجوده ( أي العبادة ) بطلت حكمة الوجود الذي حوله أيضا . وما تحمله آيات الله من الإنذار لا تستوعبه إلا قلوب المؤمنين فإذا هم يخشون ربهم بالغيب ، أما الكافرون والمشركون فهم في غفلة عنه لأنهم محجوبون بالجهل والشرك عنه ، وذلك لأنهم ماديون لا يرون إلا الأمور الظاهرة ، ذلك لأن العقل هو الذي يهدي الإنسان إلى الباطن من خلال الظاهر ، وإلى الغيب عبر الشهود ، وهو معطل لديهم ، كما أنهم لا يسمعون الموعظة من العقلاء ، هكذا تراهم يعترفون في الآخرة ، وإليهم يوجه القرآن هذا التحذير المبطن : « فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ » حينما تخسف بهم الأرض ويحل عليهم العذاب في الدنيا ، أو في الآخرة حيث العذاب المقيم والأليم ، هنالك يعرفون حقيقة النذير .